إذ المعلوم لنا وكلّ عاقل أنّ معرفة اللّه تعالى لم يحصل فينا كحصول تلك العلوم التي ذكرناها ، وإن قال بالثاني قلنا له فقد وافقتنا على أنّه يجب على المكلّف النظر في طريق المعرفة بقي علينا أن نبيّن أنّ المعرفة الحاصلة عند النظر ليست فعل غيرنا ، وإنّما هي فعلنا ، وهذا ممّا سنبيّنه إن شاء اللّه تعالى .
فإن قيل : لم لا يجوز أن « تقوم المعرفة الضرورية مقام الكسبيّة ، فيستغني المكلّف عن النظر والاستدلال ؟
قلنا : لو قامت المعرفة الضروريّة مقام الكسبيّة ، لوجب أن يفعلها اللّه تعالى فينا ، لانّه المكلّف فاللطف يلزمه .
فإن قيل : إنّما لم يفعلها فينا لعلمه بأنّا نحصّلها بالنظر والاستدلال ونستحقّ بذلك ثوابا ما كنّا نستحقّه لولا نظرنا .
قلنا : فكان يجب أن يفعلها في الكفّار ان لو قامت الضروريّة مقام الكسبيّة ، لعلمه تعالى بأنّهم لا يفعلونها فلمّا لم يفعلها فيهم دلّ على انّ المعرفة الضرورية لا تقوم مقام الكسبيّة .
فإن قيل : كيف تقولون إنّ النظر يجب على جميع المكلّفين ؟ وانّه ممّا لا يخلو عن وجوبه عاقل إلى أن يفعله ؟ والظاهر أنّ أكثر العوامّ وأهل السواد لا يمكنهم النظر والاستدلال ولا حلّ الشبهات ؟ ولا يهتدون إلى شيء من ذلك ، فكيف يكلّفهم اللّه تعالى النظر والاستدلال ؟ وهل تكليفهم ذلك إلّا تكليف ما لا يطيقونه ؟
قلنا : نحن لا نقول بأنّهم كلّفوا بالنظر في دقائق العلوم وتلخيص العبارات عن الأدلة على ما يفعله المتكلّمون ، وإنّما نقول بأنّهم كلّفوا النظر في رؤوس المسائل وأوائل الأدلّة التي يهتدي إليها كلّ عاقل وأن يحصّلوا المعارف بها على طريق الجملة . وإذا ورد عليهم شبهة ، فإن هم عرفوا تأثير تلك الشبهة فيما استدلّوا به فهم يتمكّنون أيضا من حلّها وما هو جواب عنها . فإن فرضنا أنّهم لا يمكنهم
المنقذ من التقليد — صفحة 267
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٦٧