الأوّل لصحّة دخول الشبهة فيها ولصحّة النظر والاستدلال فيها . فانّ ما نعلمه لا باختيارنا لا يتأتى فيه شيء من ذلك . فتعيّن أنّها تحصل بالنظر والاستدلال .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يعرف تعالى بالتقليد على ما ذهب إليه طائفة من الحشويّة وأهل الحيرة ؟
قلنا : التقليد ليس طريقا إلى يحصل المعرفة ، لأنّه قبول قول الغير واعتقاد مضمونه من دون حجة وبينة ، وما هذا حاله لا يتميّز فيه الحقّ من الباطل .
ولو صرنا إلى التقليد لم يكن تقليد المقرّ بالصانع أولى من تقليد نافيه ومنكره ، وكان يجب أن يكون اليهود والنصارى وجميع أصناف الكفّار معذورين في تقليدهم أسلافهم وأن تكون عقائدهم معارف . ومعلوم خلاف ذلك .
فإن قيل : تقليد المحقّ إنما هو طريق إلى المعرفة لا تقليد المبطل ، فلا يلزم ما ذكرتموه .
قلنا : وبما ذا نميّز بين تقليد المحقّ وتقليد المبطل ؟ إن قيل : بتقليد آخر ، تسلسل ؛ وإن قيل بالنظر في الدليل ، قلنا : فقد ثبت أن المعرفة لا تحصل إلّا بالنظر في الدليل وأنّ طالب المعرفة لا غنية له عن النظر والاستدلال .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يعرف تعالى بتعليم المعلّم الصادق على ما يذهب إليه الباطنيّة ؟
قلنا : جواب هذا قد سبق : وهو أنّه بما ذا نعلم صدق المعلّم ؟ إن قالوا : بمعلّم آخر ، تسلسل ، وإن قالوا : بالنظر والاستدلال ، قلنا فقد ثبت أنّ المعرفة لا تحصل من دون النظر والاستدلال .
ثمّ يقال لهم : إذا ارجعتم إلى أنّ صدق المعلم إنّما يعلم بالنظر والاستدلال فما الذي يدلّ على صدقه ؟ فلا بدّ من أن يقولوا : إنّه المعجز الظاهر عليه ، فتقول :
والمعجز إنّما يدلّ على ذلك بعد أن يعلم أنّه من فعل اللّه الحكيم الذي لا يجوز عليه تصديق الكذّاب . فعلى هذا ما لم يسبق العلم باللّه وحكمته ، لا يعلم ، صدق
المنقذ من التقليد — صفحة 263
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٦٣