تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
لطف مجرى فعله اللطف إذا كان من مقدوره تعالى . وسنبيّن أن العلم بالثواب والعقاب لطف للمكلّف إذا كان من فعله ، فيجب عليه تعالى أن يكلّفه ذلك وما لا يتمّ ذلك إلّا به من معرفته تعالى ومعرفة توحيده وعدله وما هو سبب لتلك المعارف من النظر في ادلّتها ليكون قد أزاح علّته في تكلفه . فلو لم يكلّفه النظر لم يحسن تكليفه المعارف وتحصيل العلم بالثواب والعقاب ، وإذا لم يكلّفه ذلك مع أنّها لطف له لم يحسن تكليفه . فإن قيل : العاقل إنّما يخاف من إهمال النظر ، لخوفه من إهمال المعرفة ، فإذا خاف من إهمال المعرفة وعلم أنّه لا يحصل إلّا بالنظر يصير خائفا من إهمال النظر ، وهذا الخوف إنّما يحصل لمن يكون عالما بأنّ النظر هو الطريق إلى المعرفة ، فكيف يعلم العاقل في هذا المقام كون النظر طريقا إلى العلم ؟ قلنا : لا بدّ من أن يكون قد عرف أن النظر من مدارك العلم وطرقه ، وقد علم ذلك بالتجربة في استعماله عند اشتباه الأمور والتباسها عليه في متصرّفاته ومعاملاته الدنيويّة التي سبقت الإشارة إلى بعضها ، فلا استبعاد في ذلك . فإن قيل : على الوجه الثاني الذي ذكرناه في وجوب النظر ، لم قلتم إنّ معرفة اللّه تعالى واجبة ؟ ولم قلتم إنّها لا تحصل إلا بالنظر ؟ قلنا : إنّما قلنا إنّ معرفة اللّه تعالى واجبة ، من حيث إن ما هو لطف لنا وجار مجرى دفع الضرر من النفس من العلم بالثواب والعقاب الذي علمنا وجوبه لا يحصل الّا بعد معرفة اللّه تعالى ومعرفة توحيده وعدله ، فيجب معرفته تعالى لوجوب ما لا يتمّ الواجب الّا به . وإنّما قلنا : إنّ معرفة اللّه لا تحصل الّا بالنظر ، من حيث انّ علومنا منحصرة في أقسام أربعة أوّلها العلوم البديهيّة الأوّليّة ، كعلمنا بنفوسنا والأحوال التي نجدها من نفوسنا ، والعلم بأن الكلّ أعظم من الجزء إلى أشباه ذلك . وثانيها : ما نعلمه من طريق الإدراك بالحواسّ . وثالثها : ما نعلمه بالأخبار المتواترة
المنقذ من التقليد — صفحة 260 | الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي