الإدراك ، لأنّه لا بدّ في الذي يحفظ شيئا من انّ يتكرر على سمعه إدراك تلك العبارات حتّى يحفظها ، وكذا الممارس للصناعة لا بدّ من أن يتكرّر رؤيته لعمل تلك الصناعة حتى يتعلّم ، فليس واحد من العلمين خارجا من طريق الإدراك بل الإدراك فيهما متأكّد ، إذ يحصلان عند تكرّره . وأمّا ما نعلمه بخبر الصادقين فهو داخل فيما نعلمه بالنظر والاستدلال ، من حيث انّا لو لم نستدلّ على صدقهم لما علمنا بخبرهم شيئا . ومرادنا بقولنا : أنّ ما نعلمه لا بدّ أن يكون مدركا ما لم يعلم بالأخبار المتواترة ، وإلّا فما عداهما ممّا ذكرناه داخل فيما يعلم بالنظر والاستدلال .
فإن قيل : أليس أحدنا يعلم أشياء بطريق إدخال التفصيل على الجملة ؟
وذلك خارج عن الأقسام التي ذكرتموها .
قلنا : ذلك ليس خارجا عمّا يعلم من طريق الاستدلال ، إذ الصحيح في طريق النظر والاستدلال انّه ترتيب علوم أو ظنون ترتيبا مخصوصا يحصله منه علم آخر أو ظنّ آخر ، وهذا متحقّق في إدخال التفصيل على الجملة .
فإن قيل : فما تقولون فيما يفعله المتنبّه من رقدته في أيّ قسم يدخل من الأقسام التي ذكرتموها ؟
قلنا : هو أيضا داخل في الاستدلال ، لأنّه يتذكّر كيفيّة ترتيبه للعلوم التي رتّبها فيعلم ما علمه أوّلا ، إلّا أنّ المدّة فيها تقصر عمّا كان في الاوّل ، ويمكن أن يحصر علومنا في قسمين ، بأنّ يقال ما نعلمه إمّا أن يتوقف العلم به على اختيارنا وفعلنا أو لا يتوقف ، ولا ثالث . فإن لم يتوقّف فهو الذي يعبّر عنه بانّه ضروريّ وشأنه أن لا يتأتى فيه النظر والاستدلال ولا يمكن دفعه عن النفس الا بشبهة ، وإن توقف على اختيارنا فهو الذي نحصّله بالنظر والاستدلال لا غير ، إذ لو تصوّر خلاف ذلك لتأتّى منّا أن نحصل علما بشيء باختيارنا من دون أن ننظر ونستدلّ ومعلوم خلاف ذلك ، وقد علمنا أنّ معرفة اللّه تعالى ليست من القسم
المنقذ من التقليد — صفحة 262
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٦٢