قلنا : لو كان القدريّ من أثبت نفسه مقدّرا ، لوجب أن يسمّي اللّه تعالى قدريّا ، لأنّه وصف نفسه بذلك ، بقوله : فقدر فيها أقواتها ، وكذا وصف غيره في قوله :
« إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ »
« 1 » .
وحكي عن بعض رؤساء المجبّرة أنّه قال يوما لأصحابه : « هل علينا عين ؟
فقالوا : لا ، فقال : كنّا نسمّي القدريّة فقلّبناها عليهم وأعاننا السلطان على ذلك فانقلبت » .
وما حكيناه - من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في جواب من سأله عن مسيره إلى الشام ، وأنّه كان بقضاء وقدر من اللّه - يدلّ أيضا على أنّ القدريّة هم المجبّرة .
ومما يدلّ على أنّ القدريّة هم المجبّرة تشبيهه صلّى اللّه عليه وآله ، القدريّة بالمجوس ، وقد علمنا أنّ المجوس تضيف إلى اللّه تعالى وإلى إرادته الزنا واللواط ونكاح المحارم من الأمّهات والبنات والأخوات واستماع المعازف وهذا بعينه مذهب المجبّرة ، لأنّهم يقولون : إنّ جميع ذلك بإرادة اللّه تعالى وقضائه وقدره ، وهي خلقه وفعله .
فإن قالوا : مذهبكم يضاهي مذهب المجوس ، لأنّهم ينفون الشرور عن اللّه تعالى . وكذا تفعلون أنتم ، فأنتم القدريّة .
قلنا : وما الشّرور التي نفاها المجوس عن اللّه تعالى ؟ .
إن قالوا : هي الأمراض والآلام والمصائب والمحن وخلق المؤذيات من الهوامّ والسباع .
قلنا : نحن لا ننفي عن اللّه تعالى هذه الأمور ، بل نضيفها إليه ونقول إنّه تعالى يفعلها لمصالح متعلّقة بها للمكلّفين .
هامش
( 1 ) المدّثر : 18 .