وأمّا ما قاله في الكتابة ، فإنّما يقع التفاوت فيها ، لأنّ الكتابة ليست مجرّد الفعل ، وإنّما هو فعل محكم يحتاج فاعلها إلى علم بها وآلة يفعلها بها ، فإنّما يقع التفاوت بسبب تفاوت في الآلة ، أو بسبب أن لا يكون ماهرا في العلم بها .
فأمّا إذا لم يقع التفاوت في الآلة وكان مستكمل العلم بها ماهرا فيها ، فانّه يمكنه أن يكتب ثانيا وثالثا ، مثل ما كتبه أوّلا ، بل يمكنه أن يزوّر على خطّ غيره ، بحيث لا يفرّق بينه وبينه .
فإن قيل : أليس في مقدور اللّه تعالى عندكم أن يخلق في محلّ فعلكم مثل فعلكم ؟ كأن يخلق في يدكم الحركة إلى الجهة التي تحرّكونها إليها . فلو فعل ذلك ، أكنتم تفرّقون بين ما حصل بكم من الحركة وبين ما حصل باللّه تعالى ؟ فهذا ممّا لا وجه له ، ولا يمكنكم ادّعاؤه ، إذ كيف يحصل التميّز بين المثلين في محلّ واحد . وإذا لم تفرّقوا بينهما فتجدون حالكم مع جميع ما حصل فيكم حالة واحدة من وقوعه بحسب قصدكم وداعيكم ، ومع ذلك ، فليس كلّه فعلا لكم ، فكيف يصحّ استدلالكم بوقوع الفعل بحسب قصدكم وداعيكم ، على أنّه فعل لكم ؟
قلنا : إن اخترنا أنّ جمع المثلين في محلّ واحد لا يصحّ ، لفقد التميّز بينهما على ما تقولونه ، كان هذا السؤال ساقطا عنّا . وإن لم نختر هذا المذهب وأجزنا اجتماع المثلين في محلّ واحد ، كان لنا أن نقول : لو كان الامر على ما قدّره السائل ، لكنّا نجد حالنا مع ما قد حصل فينا كحالنا إذا فعلنا فعلا وغيرنا في الشاهد يعيننا عليه ، وتحقيق القول فيه : أنّا كنّا نعلم أنّ جميع ما حصل فينا .
هو ما بنا ، وإنّما الحاصل بنا بعضه على الجملة من غير تميّز .
وقد قالوا حيث استدلّها المشايخ عليهم بحسن المدح والذّم : أليس يذمّ الأسود بسواده ، والناقص الخلقة . كالأعور والأعمى بنقصانه ؟ ويمدح الصبيح الوجه بصباحته ، والقادر القوي بقدرته ؟ فكيف يصح الاستدلال بحسن المدح والذم ؟
المنقذ من التقليد — صفحة 169
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص١٦٩