منه ، ذلك ، لكان يكون دليلا على الجهل أو الحاجة أو لا يكون دليلا ولا واسطة ، لتردّد هذا التقسيم بين النفي والإثبات ، فإن قلتم يدلّ ، كان ذلك قولا بصحّة دليل قيام على جهله أو حاجته ، وذلك يقتضي كونه في الحال على أحد الوصفين ، كما ذكرته ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا ، وإن قلتم لا يدلّ ، بطل دلالتكم على انفتاح أنّه لا يفعل القبيح ، لأنّ الدليل الذي يجب طرده ، فإذا تصوّر ثبوت مثل الدليل ولا مدلول ، انتقض كونه دلالة ، فكيف يمكنكم أن تستدلّوا على أنّه تعالى لا يفعل القبيح .
أمّا الرّد على الأوّل فهو أنّ نقول : لو كان القبيح إنّما يقبح للنهي ، لوجب فيمن لا يعرف النهي ولا الناهي أن لا يعرف شيئا من القبائح . وهذا يوجب في البراهمة المنكرين للنبوّات أن لا يعلموا قبح الظلم والكذب العاري من نفع أو دفع ضرر والعبث والمفسدة ، كما لا يعرفون قبح القبائح الشرعيّة ، والمعلوم خلافه .
فإن قيل : هم لا يعلمون قبح هذه القبائح ، وإنّما اعتقدوا قبحها ، لمخالطتهم لأهل الشرائع .
قلنا : فكيف لم يعتقدوا قبح الزنا والربا وشرب الخمر لهذه المخالطة . وبعد فإنّ المقرّ بالنبوّة وبالشّرعيّات لو دخلت عليه شبهة في النبوّة فإنّه يضطرب عنده قبح القبائح الشّرعيّة التي عددناها ، ولا يشكّ في قبح الظّلم وإخوانه ممّا عددناه ثمّ ولو كان القبيح يقبح للنهي لوجب أن يكون الحسن يحسن للأمر ، فيلزم عليه أن لا يوصف أفعاله تعالى بالحسن أيضا ، لأنّه كما لم ينه عن شيء ، لم يؤمر بشيء .
فإن قالوا : الحسن يحسن للأمر ولانتفاء النهي عنه ، فالقديم تعالى وإن لم يؤمر بشيء لم ينه من شيء ، فيحسن فعله لانتفاء النهي .
قلنا : فقولوا : إنّ القبيح أيضا إنّما يقبح للنّهي ولانتفاء الأمر ، واللّه تعالى
المنقذ من التقليد — صفحة 155
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص١٥٥