مدخل في استحقاق الذمّ .
وأمّا الدليل على أنّه تعالى قادر على القبيح ، هو ما ثبت أنّه قادر على عقوبة العاصي والكافر ، ومعلوم أنّ اقتداره على ذلك لم يتجدّد عند وقوع الكفر أو المعصية من المكلّف ، بل كان قادرا على ذلك قبله ، وعقوبته قبل ذلك قبيح .
وأيضا فانّه تعالى قادر على تعذيب الأطفال ، وتعذيبهم ظلم قبيح ، وبعد فانّه قادر على أن يخبر عن « العالم ليس قديما » بأن يقول : « العالم ليس قديما » فيمكنه أن يقول : « العالم قديم » باسقاط كلمة « ليس » لأنّ لفظة « قديم » لا يحتاج إلى لفظة « ليس » ، ولا لفظة « العالم » محتاج إليه ، والقول بأنّ العالم قديم قبيح ، لأنّه كذب .
ويمكن أن يعترض على هذا الوجه بأن يقال : قوله : « العالم قديم » ، إنّما يقبح ، إذ أخبر به عن قدم العالم . فأمّا إذا لم يقصد به الإخبار عن قدم العالم ، لم يكن خبرا عنه ، فلم يكن كذبا ولا قبيحا . فمن أين إنّه يقدر على أن يقصد به الإخبار عن قدم العالم ؟ وهل النزاع إلّا فيه ؟ لأنّ القصد إلى هذا الإخبار قبيح .
ويمكن أن يجاب عن هذا الاعتراض بأن يقال : إذا لم يقصد تبارك وتعالى بهذا القول إلى الإخبار عن قدم العالم ، فأمّا أن لا يقصد به شيئا من المعاني ، أو يقصد به إلى معنى آخر . فإن كان الأوّل ، يلزم عليه قبح هذا القول بأن يكون عبثا قبيحا ، وقد حصل المقصود ، وهو اقتداره على القبيح ؛ وإن قصد به معنى آخر ولم يفرق إليه شيئا آخر يدلّ عليه كان ذلك إلغازا وتعمية ، فيكون قبيحا أيضا . فعلى الوجوه كلّها تبيّن اقتداره على القبيح .
ولو صوّرت هذه الدلالة في الإخبار عن أنّ زيدا ليس في الدار ، بأن يقول :
زيد ليس في الدار ، إذا لم يكن فيها ، فإنّ هذا ممّا يقدر تبارك وتعالى عليه أيضا لأنّه صدق ، وإذا حصل فيه غرض حسن فيقدّر على أنّ يسقط « ليس » فيقول :
المنقذ من التقليد — صفحة 153
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص١٥٣