الدولة وعضد الدولة البويهيّين ، وكان الأوّل هو الذي يحكم العراق ، وسار إليه عضد الدولة من فارس ، ووقعت بينهما الحرب ، فكانت الغلبة فيها لعضد الدولة فاستولى على الأهواز والبصرة ، ولم تكن غيبة الشريف أبي أحمد للسفارة بينهما في عقد الصلح بقدر ما كان من إصرار عزّ الدولة في استرجاع غلام له كان قد أسره عضد الدولة فيمن أسر ، ولم يكن لعزّ دولة ابن بويه في العراق يوم ذاك سلوّ عنه - وهكذا تضعف الدول بمثل هذه النفسيات والانحطاط الخلقي - ثم اتصلت به الأحداث التي أعقبت هذه الحرب ، فكان الشريف يتنقّل بين بغداد والبصرة وواسط ، واستمرّ ذلك عدّة شهور « 1 » .
فلعلّ الشريف أبا أحمد هو الذي أشار إلى السيّدة الجليلة أمّ الشريفين أن تتولّى ذلك ، بعد أن كان يجهل يوم ذاك أنّ هذا الانشغال وهذه الغيبة متى ينتهيان .
خاصّة وأنّ الشريف المرتضى كان قد بلغ الحادية عشرة من عمره وعلى أعتاب البلوغ والكبر ، ولا يصحّ والحال هذه إرجاء تعليمه إلى ما بعد .
ب : يبدو من النصّ أنّ شيخنا المفيد - رضي اللّه عنه وأرضاه - كان قد استقلّ بالتدريس ونشر العلم ، في ستّينات القرن الرابع ، وفي الثلاثينات من عمره الشريف ، وشيخه - الذي حمل منه ما حمل - ابن قولويه بعد لا يزال حيّا . وأنّه كان له منذ تلك الأيّام مجلس درس في مسجده الشهير بدرب رياح في الكرخ ، وأنّه كان قد بلغ من الرفعة والجلالة الدرجة التي ترى مثل هذه السيّدة الجليلة أمّ الشريفين أن تحضر بنفسها مجلسه آخذة معها ولديها الشريفين ، إكراما له ورعاية لعلمه ومقامه . وكان لها أن تستدعيه إلى بيتها ، وهو ذلك البيت الرفيع الذي لا يأبى من الحضور فيه أحد ولو كان مثل الشيخ المفيد ، وعذرها في ذلك خدرها ، وأنعم به لمثلها من عذر ! وفوق هذا كلّه الخلق العظيم النبويّ والروح العلويّ اللذين ورثتهما هي وبيتها الطاهر ، وبهذا هان عليها كلّ تواضع وتنازل ، والمجتمع المسلم لو كان قد جعل من هذا النموذج المثل الذي يقتدي به في سلوكه الفردي والاجتماعي لكانت الدنيا غير هذه الدنيا ، والحياة غير هذه الحياة ! .
هامش
( 1 ) . ابن مسكويه ، تجارب الأمم ، 6 / 371 - 376 ، الهمذاني ، تكملة تاريخ الطبري - الطبري ، 11 / 455 - 456 - المنتظم ، 7 / 83 - 84 ، ابن الأثير ، 8 / 671 - 673 .