ومن حكم الأوامر أن ينظر في لفظها ، فإن كانت مطلقة اقتضت فعل مرة واحدة ، لأن قول القائل لغيره « ادخل » إنما يفيد ، ما إذا فعله كان داخلا ؛ وذلك يتم بالفعل الواحد ، فما زاد عليه لا دليل فيه .
فإن قال : دليله أنه : لو أريد به الفعل الواحد لما جاز أن يكون مخيرا في الأوقات أو في الأماكن ، لأن الفعل الواحد لا يصح إيقاعه على هذا الوجه .
قيل له : لم يعن أنه فعل واحد أنه كلف عينا من الفعل مخصوصة ، وإنما المراد بأنه فعل واحد أنه كلف من ذلك الفعل ما يقع الاسم عليه ، فإذا حصل فيه وجه تخيير ، فأي فعل من ذلك فعله جاز ، فلذلك خيرناه في الأوقات والأماكن ؛ فأما إذا خص لم يجز أن يراد بذلك الفعل المخصوص ؛ ومن خالف في هذه الجملة فزعم أن الأمر إذا أطلق يتكرر فقد أبعد ، من جهة المعقول واللغة جميعا .
فإن قال : إني أجعل الأمر كالنهى ، ووجدته يوجب إدامة الانتهاء ، فكذلك القول في الأمر ، فجوابنا / أنهما من حيث اللغة لا يختلفان ، لكن في النهى ضرب من التعارف ، فاقتضى أن يلزم الانتهاء في كل وقت ، على طريقة الجمع ، وفي الأمر اقتضى الإقدام على ذلك الفعل في وقت ما ، على طريقة البدل ، ولولا التعارف لوجب متى انتهى مرة أن يكون ممتثلا ، فأما إذا كان الأمر مشروطا بوقت ، أو غيره فقد اختلفوا : في هل يتكرر بتكرار ذلك ؟
والصحيح عندنا : أنه لا يتكرر إلا أن نعلم بدليل أن ذلك للشرط فيه كالعلة والدلالة فيتكرر بتكراره ، كما نقول في وجوب تكرر الجنابة وتكرر وجوب الطهر بتكرر وقته .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 124
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٢٤