فإن قال : وإذا كان هذا الغم من فعل المغتم ، فكيف يجب عليه تعالى فيه العوض ؟
قيل له : إنه وإن كان من فعله ؛ فغير ممتنع أن يكون العوض / يلزم فيه من حيث وجب حصوله عندما فعله تعالى من الأمانة ، كما يلزم في الطفل إذا وضعناه تحت البرد فمات علينا فيه العوض « 1 » ، لما كان ذلك الموت كأنه من فعلنا من حيث وجب بالعادة وقوعه عنده . على أنا لا نقول في الغم الحاصل عند موت الوالد إنه من فعله على كل حال ، بل فيه ما يكون من فعل اللّه سبحانه إذا كان علما ضروريا بما يلحقه من المضار بفقد الوالد . وكل ذلك يسقط ما سأل عنه .
فإن قال : أفليس أحوال الناس تختلف في الغم عند المصائب والمضار . فالبخيل يكثر غمه ويزيد على غم الجواد . والراجع إلى اللّه تعالى يقل غمه عن « 2 » غم المتمسك بالدنيا . أفتقولون إن جميع ذلك يلزم فيه العوض أو فيه ما يكون في حكم المبتدأ من جهة المغتم فلا يلزم به العوض ؟
قيل له : إذا كان ما لأجله تختلف الغموم ومقاديرها من فعله تعالى ومن قبله ، فذلك غير مؤثر في وجوب العوض في جميعه . وهو تعالى قد فعل بالبخيل من ضيق الصدر ما تشق عليه العطية ويعظم غمه بفقد المنفعة ، وبالجواد من سعة الصدر ما يسهل فيه ذلك . فيجب في جميع ما يلحقه من الغموم أن يكون العوض عليه تعالى . وأما ما يزيد المكلف من الغموم من غير سبب يمكن ذكره ، وقد كان يجوز أن لا يحصل عند موت القريب والحميم ، فذلك في حكم المبتدأ « 3 » ، فلا يجب به العوض ، ويصير بمنزلة أن يؤلم نفسه على طريق الابتداء في هذه القضية ، إلا
هامش
( 1 ) فاعل يلزم .
( 2 ) في الأصل عند .
( 3 ) أي الّذي يحصل ابتداء بدون واسطة .