فلا يصح مع ذلك أن يكون تركه تركا للمسبب وان كان لا يمتنع أن يكون ضدا له ، وقد يصح أن يفعله على وجه ويتعذر فعله بدلا من المسبب على وجه آخر ، وانما لم يصح القول بأن القادر يترك ما لا يصح أن يفعل لما بيّناه أن من حق الترك أن يكون مما يجوز وجوده بدلا من المتروك على الوجه الّذي ذكرناه ، فلا يصح اذن أن يترك الشيء الا وله ضد يصح وجوده بدلا منه ، فيصح منه أن يفعله ، ولا يجب إذا صح أن يفعل الشيء أن يتركه لما بيّناه من جواز فعل لا ضد له ولا ترك ، وهذا كما نقول إن القادر لا يصح منه فعل ضد الشيء الا ويجب أن يصح منه فعل ذلك الشيء ، ولا يجب متى صح منه فعل شيء أن يصح منه فعل ضده ، وانما قلنا في المباشر إذا كان له ضد ان القادر عليه قادر على تركه من حيث ثبت له ترك وضد ، وهذا لا نقول فيما لا ضد له انه إذا قدر عليه القادر قدر على ضده وتركه ، فيجب ألا نجعل المقدور كله بابا واحدا ، ولهذا قال شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه انه لا طريق / إلى اثبات ضد للجواهر من جهة العقل ، لأنه يجوز أن يقدر القادر على ما لا ضد له . فلا يجب كونه قادرا على ضده . وبيّن أن القول لا يؤدى إلى كونه مضطرا وملجأ ولا يخرجه من أن يكون حاله مع هذا المقدور في أنه يصح أن يفعله وألا يفعله كحاله مع المقدور الّذي له ضد وترك . وقد بيّنا من قبل أن وجود المسبّب يتعلق بوجود السبب ، ولهذا قال : القادر على السبب قادر على المسبّب وكانت القدرة عليهما واحدة واستحال أن يقدر على أحدهما من لا يقدر على الآخر ، فإذا تعلق وجوده بوجوده على جهة الايجاب خرج بوجود سببه من أن يكون في حكم ما يبتدئه القادر ، فإذا لم يصح منه أن يبتدئه لم يصح منه أن يبتدئ تركه لو كان له ترك ، لأنه لا يجوز أن يترك ما قد خرج من أن يصح أن يفعله ابتداء لبعض الوجوه ، وهذا يبين أنه لو كان له ضد لم يجب فيه ما قالوه ، فكيف وقد بيّنا أنه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 75
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧٥