أحسنوا ، أو العقاب ان أساءوا . أما معمر والجاحظ فيريان أنها من صنع الطبيعة ، أي أنها اضطرارية كفعل النار للاحراق ، والثلج للتبريد ، وان لم ينكرا إرادة الأفراد ، وفي هذا ما فيه من تناقض . والأفعال المتولّدة ، على ما فيها من خلاف ، في حكم الأفعال الاختيارية التي سبّبتها .
وجوهر المسألة في الواقع هو أنه ان كان للعبد قدرة وإرادة مستقلة ، فكيف نوفق بينهما وبين قدرة اللّه وارادته ؟ هل هناك أفعال تجاوز قدرة اللّه ؟ وهل يصدر في ملكه الا ما يريد ؟ وان رددنا كل شيء إلى اللّه فعلام يحاسب العبد ويعاقب ؟ وهنا يتبارى المعتزلة في آراء لا تخلو من عمق ودقة ، وحلول أشبه ما يكون بالوسطى . فهم يسلمون جميعا بعلم اللّه وارادته ، لا تخفى عليه خافية ، يعلم أزلا ما كان وما سيكون . ويذهبون إلى أن قدرة العبد الحادثة مستمدة من القدرة القديمة ، فمنح اللّه العبد قدرة وإرادة يستطيع بهما أن يفعل ويترك بوجه عام ، أو يخلق فيه قدرة عند مباشرة كل عمل من أعماله ان عدت الاستطاعة عرضا ، والقدرة الحادثة أو الاستطاعة مؤثرة على كل حال ، وتأثيرها هو محط الثواب والعقاب .
ومع هذا لم توثق هذه الحلول والآراء لدى الأشعري ، لأنه وجد فيها ما يتنافى مع كمال قدرة اللّه وارادته ، وما يفسح المجال لمؤثرات غيره .
وذهب إلى أن اللّه أجرى سننه بأن يخلق الفعل الّذي يريده العبد أو يتجه إليه عقب القدرة الحادثة أو مصاحبا لها ، وهذا ما سماه « الكسب » الّذي يبنى عليه الجزاء والمسؤولية . ولكن هل يحاسب المرء لمجرد كسب خاضع في الحقيقة لإرادة اللّه ؟ وقد حاول تلاميذ الأشعري أن يفسروا هذا الكسب تفسيرا يتلائم مع التكاليف ، فذهب الباقلاني إلى أن القدرة الحادثة مؤثرة من ناحية أنها تحدث الأشياء على نحو خاص ، فحددت الأشياء من عمل اللّه ، وتخصيصها على نحو معين من عملنا . ولم يكتف امام الحرمين بهذا ، بل قال مع المعتزلة ، بأن فعل العبد نتيجة قدرته بوجه عام ، واستناد هذه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة مقدمة 4
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
صمقدمة ٤