[ الجزء الثامن في المخلوق ]
مقدمة للدكتور إبراهيم مدكور
مشكلة الجبر والاختيار هي مشكلة التكليف ، مشكلة الثواب والعقاب ، مشكلة الجزاء والمسؤولية . أثارتها الانسانية من قديم ، ولا تزال تثيرها حتى اليوم . عرفت في الاسلام منذ عهد مبكر ، وتذاكر فيها بعض الصحابة والتابعين . وفي القرآن ما قد يشعر بالجبر
« فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ »
، وفيه ما قد يشعر بالاختيار
« فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ »
. ولم يكد يمضى القرن الأول للهجرة حتى تفنن المسلمون في بحث المشكلة ، وأخذوا يفلسفونها ، وتباينت فيها آراء الفرق والمدارس .
ففي العصر الأموي كان معبد الجهني في البصرة وغيلان بدمشق من أسبق من قالوا بالاختيار ، يريان أن المرء حر الإرادة يعمل ما يشاء ، ولا سبيل لمسئوليته ، الا ان تحققت حريته . وعاصرهما من جانب آخر جهم ابن صفوان الّذي كان يردد في الكوفة أن الانسان مجبور لا اختيار له ، وما أشبهه بالريشة في مهب الريح ، تتحرك بحركته وتسكن بسكونه . والأعمال كلها مخلوقة للّه ، ونسبتها إلى العبد على سبيل المجاز . ومن هنا نشأت مشكلة « أفعال العباد » أو « خلق الأفعال » التي كانت مثار خلاف بين المعتزلة والأشاعرة ، وبسببها خاصة انفصل أبو الحسن الأشعري عن أبي على الجبائي .
ويجمع المعتزلة ، فيما عدا معمّرا والجاحظ ، على أن أفعال العباد الاختيارية من صنعهم ، خلقوها بمحض ارادتهم ، واستحقوا عليها الثواب ان