وله أن يقول : إنّا لا نقصد بقولنا « إن الكلام هو المفيد » ، إلى أنه متى وقع أفاد ؛ وإنما نريد به أنه مما يصح وقوع الفائدة به ، وإن كان قد يخرج من كونه بهذه الصفة لحال تختص المتكلم .
فإن قالوا : إذا لم يوصف ما لا يفيد من الكتابة بأنه كتابة ، فهلّا قلتم : إن ما لا يفيد من الحروف لا يسمى كلاما ؛ لأن الكتابة « 1 » أمارة للكلام فهي بمنزلته ، فإذا لم يشارك ما لا يفيد منها المفيد ، فكذلك الكلام ؟
قيل لهم : إن الأمر بخلاف ما قدّر به ، لأنّا نسمى ما لا يفيد منها بأنه كتابة إذا حصل على شكل الحروف ، وإن لم يكن قد نظم نظام ما يفيد ، ولذلك يوصف بأنه كتابة لا تفهم ، وأنه كتابة فاسدة . ولو صح ما سألت عنه لم يجب أن يقاس الكلام عليه ؛ لأن قياس بعض الحروف على بعض لا يصح ، بل يجب أن نرجع في / كل أمر « 2 » يقصد إلى تحديده إلى دليل يخصه .
فإن قالوا : هلّا حدّدتم الكلام بأنه ما أفاد مراد المتكلم ، أو ما تفهم منه مقاصد المتكلم ؟ .
قيل له : لأن ما ذكرته يوجب كون الإشارة التي يفهم بها مراد المشير كلاما ، وكذلك سائر ما يتواضع عليه من حركات وغيرها ، وكذلك القول في الكتابة .
ويوجب أن كلام المبرسم الهاذى ليس بكلام ، لأنه لا يفهم مراده . ولا يصح أن يحدّ الكلام بأنه حركات مخصوصة ، لأن جنسه مخالف لجنس الحركات ، فكيف يجوز أن يحدّ بذلك ! .
هامش
( 1 ) في الأصل : « الكتاب » .
( 2 ) في الأصل : « من » .