بعضها عن بعض . فإذا وصفت هذه الجواهر بأنها منظومة جاز أن يوصف ما ذكرناه من الحروف بأنه منظوم . وإذا ثبت أن ما ذكرناه معقول ، وكان هو المراد بالكلام ، فيجب القضاء بصحته .
فليس ما يقوله أهل العربية ، من أنّ الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ، بقادح فيما قلناه ، لأنهم قصدوا إلى الكلام الّذي حدّدناه فصنفوه أصنافا ، ولم يدفعوا كون جميعه حروفا منظومة نظاما مخصوصا ؛ ولم يقصدوا بقولهم : « وحرف جاء لمعنى » إلى ما ذكرناه ، فليس لأحد أن يقول : قد سمّوا ما هو حروف - ليس بحرف - كلاما .
فإن قالوا : فهلا قلتم : إن الحرف الواحد قد يكون كلاما ، نحو قول القائل في الأمر : ع : عه يا رجل ، و [ ق ] : قه . إلى ما شاكله . فهلا تبينتم بذلك فساد حدّكم من حيث خرج منه الحرف الواحد ، مع أنه كلام ! فإن قلتم : إن ذلك ليس بكلام ، فحدّنا سليم .
قيل لهم : كيف يجوز ألّا يكون كلاما مع أنه أمر ، والأمر قسم من أقسام الكلام ، يختص بصفة زائدة على كونه كلاما ، فلا يجوز أن يحصل بالحرف « 1 » الواحد أمر « 2 » إلا ويجب كونه كلاما .
وبعد ، فإنّ ما أفاد يجب كونه / كلاما عندكم ؛ لأن الكلام قد يكون مفيدا ، ولا يجوز أن يكون مفيدا إلا وهو كلام . فإذا كان ما سألنا كم عنه مفيدا فبأن يكون كلاما أولى . وكل ذلك يحقق ما ألزمناكموه من بعض حدّكم .
قيل لهم : إن ما ذكرتموه بانفراده لا يكون كلاما ، وإنما يكون مفيدا ، لأن فيه حروفا لولاها لما أفاد . لكنّ الثابت منه دلالة على المحذوف ، ولذلك اقتصر
هامش
( 1 ) الأصل : « كالحرف » .
( 2 ) الأصل : « أمرا » .