أنه تعالى انما أمره بمقدمات الذبح دون نفس الذبح ، وبينا أن كل ذلك قد يسمى ذبحا ، كما يسمى المرض المخوف موتا ، من حيث كان سببا له ، فيقال : حضره الموت . فكذلك لما غلب في ظن إبراهيم عليه السّلام أنه سيؤمر بالذبح عند أمر اللّه تعالى إياه بمقدماته ، وكان ذلك / عنده كالسبب ، جاز أن يقال إنه أمر بالذبح على سبيل المجاز . وبينا أن قوله تعالى :
« قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا »
« 1 » يدل على أنه لم يؤمر بنفس الذبح ، والا لم يكن مصدقا له . وبيّنا أن قوله سبحانه :
« إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ »
« 2 » يدل على أن ما أمر به قد فعله ، والا كان بأن يكون من المسيئين أقرب .
وبينا أن قوله
« إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ »
« 3 » واظهار الذبيح للصبر ، لا يوجب أنّ الأمر أمر بالذبح ، لأن هذا المعنى قد يلحق إذا غلب في الظن أنه سيؤمر بالذبح من حيث أمر بمقدماته التي انما تراد لنفس الذبح . وبينا أن الفداء لا يدل على أن الذبح قد أمر به لا محالة ، لأن فداء الشيء قد يكون مخالفا له كالفدية في الخلق وغير ذلك . فلما « 4 » قوى في ظن إبراهيم عليه السلام أنه يؤمر بالذبح ، ولحقه ما يلحق الآباء ، فدا اللّه تعالى ما ظنه بالذبح ، وجعله كالبدل مما ظن أنه يؤمر « 5 » به . وبينا أن الأمر بالشيء لا يكون أمرا به الا بأن يريد الأمر . وأنه تعالى لو أمره بذلك ، لما صحّ أن يزيل الأمر ، لا بمنع ، ولا بنهى ، ولا بفداء ، ولا غيره ، لأن ذلك كله يوجب البدل . وكشفنا القول في ذلك ، وبينا أنه لا يمكن أن يقال إن
هامش
( 1 ) الصافات 37 / 105
( 2 ) الصافات 37 / 105
( 3 ) الصافات 37 / 106
( 4 ) فلما : فلو ط
( 5 ) يؤمر : سيؤمر ط