« أبو الحسن قاضى القضاة عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني . كان في ابتداء حاله يذهب في الأصول مذهب الأشعرية ، وفي الفروع مذهب الشافعي ؛ فلما حضر مجلس العلماء ، ونظر وناظر ، عرف الحقّ فانقاد له ، وانتقل إلى أبي إسحاق بن عيّاش ، فقرأ عليه مدة . ثم رحل إلى بغداد ، وقام عند الشيخ أبى عبد اللّه مدة مديدة حتى فاق الأقران ، وخرج فريد دهره .
قال الحاكم : ليس تحضرني عبارة تحيط بقدر محله في العلم والفضل ، فإنه الّذي فتق علم الكلام ، ونشر بروده ، ووضع فيه الكتب الجليلة التي بلغت المشرق والمغرب ، وضمنها من دقيق الكلام وجليله ما لم يتفق لأحد مثله . وطال عمره مواظبا على التدريس والاملاء حتى طبق الأرض بكتبه ، وأصحابه ، وبعد صوته ، وعظم قدره . وإليه انتهت الرئاسة في المعتزلة حتى صار شيخها وعالمها غير مدافع ؛ وصار الاعتماد على كتبه . ومسائله نسخت كتب من تقدمه من المشايخ . وشهرة حاله تغنى عن الاطناب في الوصف .
واستدعاه الصاحب إلى الرّى بعد سنة ستين وثلاثمائة ، فبقى فيها مواظبا على التدريس إلى أن توفى رحمه اللّه سنة خمس عشرة أو ست عشرة وأربعمائة . وكان الصاحب يقول فيه : هو أفضل أهل الأرض ؛ ومرة يقول : هو أعلم أهل الأرض .
وأراد أن يقرأ فقه أبي حنيفة على أبى عبد اللّه فقال له : هذا علم كل مجتهد فيه مصيب ، وأنا في الحنفية ، فكن أنت في أصحاب الشافعي .
فبلغ في الفقه مبلغا عظيما وله اختيارات . لكن وفر أيامه عليّ الكلام
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة مقدمة 6
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
صمقدمة ٦