تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعاد الجسماني — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
بلا مأوى ، والكافر يتنعم بمختلف النعم واللذات الدنيوية ، وعندئذ لو دخل الاثنان مدخلا واحدا ، لكان ذلك ظلما للمؤمن ، وحينئذ يتنافى مع عدل الله تعالى :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
، « 1 »
أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
، « 2 » فحصول المحكمة الكبرى للفصل بين ما هو حق عمّا هو باطل من مقتضى عدل الله تعالى ، وهذا الوجوب يدركه العقل قبل تشريعه ، باعتبار أن الظلم قبيح لذاته ، والعدل حسن لذاته ، هذا بناء على نظرية الإمامية ومن حذا حذوهم ، وبالإضافة إلى وجود المحكمة الداخلية الفطرية ، شرعت محاكم قضائية للحكم بين الناس ، الغرض منها تنظيم أمورهم وحفظ السلام والأمن والاستقرار ، سواء كانت تعتمد في قضائها على الحكم الشرعي أو الحكم الوضعي ، ولكن كيفما كانت لم تف في أداء المطلوب ؛ لأنّ الرشاوي في أغلبها فاشية ، وشهادة الزور فيها نافذة ، والطواغيت مظلومون والمحرومون ظالمون بنظر حكامها ، فيحكم فيها للظالم على المظلوم ، فلم تتحقق العدالة المطلوبة في أغلبها ، والحال أن حكمها صادر على أساس الأدلة الظاهرة ، التي يصورها كلّ من الطرفين ، فتنتهي القضية بلا جدوى ولا ثمرة فيها ، ولذا قال الحق تعالى ناهيا عن ذلك :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
، « 3 » وعليه تطلّب الأمر وجود محكمة لا تجور ولا تظلم ، بل تعطي كل ذي حق حقه ، ولا يتحقق هذا الأمر في هذا العالم ، لعدم صلاحية هذا العالم لقيام مثل هذه المحكمة ، فلا بد إذا أن يكون في عالم آخر ، وهو عالم الآخرة الذي يكشف الله فيه الغطاء فيظهر كل واحد على حقيقته ، وحينئذ يقال للإنسان :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
، « 4 »
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
، « 5 »
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
، « 6 »
هامش
( 1 ) . فصلت ، 46 ( 2 ) . ص ، 28 ( 3 ) . البقرة ، 188 ( 4 ) . الإسراء ، 14 ( 5 ) . ق ، 22 ( 6 ) . البقرة ، 281
المعاد الجسماني — صفحة 82 | شاكر الساعدي