الوضوح يخيم على القسم الأكبر من فروعها وجزئياتها ، إذ لا طريق للعقل في إدراك الجزئيات ، ولم يبق لنا إلى إدراك هذا الأمر إلا الشرع المنقول ، عن طريق التعبد بما جاء به من بيان لتلك الجزئيات ، ولكن ما دام البحث يدور مدار الأبحاث العقلية المطروحة احتجنا إلى مجموعة أصول موضوعية ، وليس من الصحيح أن نبينها هناك ، بل كان علينا أن نذكر بعض ما جاء فيها من بيان واستدلال ، وإليك هذه الأصول :
الأصل الأول : تجرد النفس الإنسانية
سبق وأن بيّنا في موضوع الآراء في حقيقة الإنسان من أن مجموعة من العلماء والمحدثين ذهبوا إلى القول بمادية النفس التي اعتبروها جوهر الإنسان حقيقته ، في قبال من قال بتجردها من الفلاسفة وبعض المحققين من المتكلمين ، ولكن الذي يوافق العقل والشرع المقدّس هو القول بتجردها ، وقد بيّن صدر المتألهين أن للنفس مراتب في التجرد ، فلها مرتبة التجرد الخيالي - المثالي - ولها أيضا مرتبة أخرى وهي مرتبة التجرد العقلي ، وفي الأولى يكون تجردها ناقص ، وفي الثانية يكون تاما ، وهناك مرتبة ثالثة يقال لها مرتبة التجرد الأتم ، يعبر عنها فوق التجرد ، ويقصد به أنه ليس لها حد تقف فيه ، ومقام تنتهي إليه ؛ باعتبار أنها طالبة للكمال الإلهي ، والكمال الإلهي لا نهاية له ، وهذا المعنى الأخير ذهب إليه العارف حسن حسن زاده آملي حيث قال فيه : ( وهذا المعنى الرفيع تجردها الأتم أي ما فوق تجردها العقلاني ، يستفاد من عدة مواضع في تضاعيف مجلّدات الأسفار ، ويا ليت صاحب الأسفار جعل لهذا المطلب الشريف فصلا على حده ثم بسط الكلام حوله بقلمه الفياض ) « 1 » ، ثم أضاف قائلا : ( ومما يرشدك إلى أن لها رتبة فوق التجرد العقلاني ، ائتلاف حديثين شريفين من رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، إحداهما : « ما من مخلوق إلا وصورته تحت العرش » ، والأخر : « قلب المؤمن عرش الله الأعظم » ، « 2 » ثم أنه نقل قول أمير
هامش
( 1 ) . قال الشيخ في عيون النفس ، ( وإن كان قد أحكمه في الفصل الثالث من الباب السابع من كتاب النفس من الأسفار ، ج 4 ، ص 83 )
( 2 ) . إسماعيل بن محمد ، العجلوني الجرامى ، كشف الخفاء ، ج 2 ، ص 100