2 . في طبيعة البحث الكلامي في مسألة المعاد
لقد اعتاد المتكلمون عند البحث عن المعاد الجسماني أن يجعلوا هذا البحث متوقفا على إثبات إمكان عدة مسائل معينة ، فإن ثبت عندهم إمكانها ثبت المطلوب وإلّا لم يثبت ذلك ، ولم يخالف في ذلك متكلمنا الخواجة مشهور المتكلمين ، وإن كان هو في الواقع لم يكن متكلما محضا ، بل كان متكلما من جهة ، وفيلسوفا من جهة أخرى ، باعتبار أنه أول متكلم إمامي قد دمج بين الفلسفة والكلام ، حتى عرف أنه فيلسوف متكلم ومتكلم فيلسوف ، وسيتضح لنا ذلك من خلال الأبحاث القادمة في هذا الباب ، ومن جملة هذه المسائل التي سيأتي الكلام عنها مفصلا في الأبحاث القادمة ، هي المسألة الأولى : إمكان العالم الأخروي ، والثانية : ماهية وطبيعة الإنسان المكلف ، والثالثة : انعدام العالم الدنيوي وعدمه وجواز إعادة المعدوم ، الرابعة : كيفية المعاد في اليوم الآخر ، والخامسة : جواب الشبهات ، وهناك جملة من المسائل تتعلق بما يكون بعد الحشر والحساب تركنا ذكرها لخروجها عن محل بحثنا .
3 . نظر الخواجة في إمكان المعاد الأخروي
يعتبر كتاب تجريد الاعتقاد من أهم الكتب الكلامية للخواجة نصير الدين الطوسي في باب الاعتقادات عند الإمامية ، فقد نال رضا واهتمام العلماء بشرح مطالبه القيمة المختصرة ، وإن كان في الواقع لا يختلف بحثه الكلامي في هذه المسائل عما هو عليه في كتبه الأخرى ، فعند مطالعة كتبه الكلامية نجده يؤكد على مسألة واحدة في باب إمكان المعاد ، وهي تعليق إمكان العالم الآخر على إمكان عالم الدنيا ، على أساس جريان قاعدة عقلية فلسفية عمل بها الفلاسفة والحكماء والمتكلمون في سريان أحكام أحد المتماثلين إلى الآخر ؛ وذلك نتيجة لمنطوقها القائل : ( حكم الأمثال فيما يجوز ولا يجوز واحد ) ، « 1 » وقد أعتبر الخواجة عالم الآخرة مثل عالم
هامش
( 1 ) . فخر الدين محمد بن عمر الرازي ، المحصول ، ج 4 ، ص 244 ؛ ضياء الدين العراقي ، نهاية الأفكار ، ج 1 ، ص 174 ؛ الميزان في تفسير القرآن ، ج 8 ص 160