تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
يجب أن يكون صاحب الإدراكات الجزئية . لكن لم قلتم : إن صاحب الإدراكات الجزئية . يجب أن يكون قوة جسمانية ؟ فإنا بينا في المقالات السالفة : أن المدرك للكليات والجزئيات هو النفس . ولنذكر هاهنا وجوها . الأول : إن غرض النفس عندكم من تحريك الفلك هو التشبه بالعقل ، على ما سيأتي تفسير هذا التشبه . وإرادة التشبه بالغير ، مشروطة بمعرفة صفة ذلك الغير ، فوجب أن تكون النفس المحركة لجسم السماء ، عالمة بالعقل المجرد . فثبت : أن الشيء الذي يباشر تحريك جسم الفلك ، هو الذي يكون مدركا لذلك العقل المجرد . [ ولكمالاته . وإدراك المجردات لا يصح إلا من الجوهر المجرد « 1 » ] فيلزم : أن تكون النفس الفلكية لكونها صاحبة الإدراكات الجزئية : قوة جسمانية ، ولكونها مدركة للعقل المجرد : جوهرا مجردا . فالشيء الواحد جسماني ومجرد . وذلك باطل قطعا . واعلم أنه لا خلاص عن هذا الكلام ، إلا بالقدح في إحدى مقدمات ثلاث : إما أن يقولوا : صاحب الإدراكات الجزئية ، لا يجب أن يكون جسمانيا ، أو يقولوا : ليس الغرض للنفس من تحريك الفلك هو التشبه بالعقل ، أو يقولوا : القوة الجسمانية يصح عليها إدراك المجردات . [ وأي واحد « 2 » ] من هذه الثلاثة ، قالوا به : فقد تركوا أصلا من أصولهم المشهورة ، وقاعدة من قواعدهم المعتبرة . الثاني : إنا نعلم بالضرورة : أنه يمكننا أن نقول : « زيد إنسان » والحاكم بهذا الحكم يجب أن يكون مدركا لزيد ، من حيث إنه هو . وللإنسان الذي هو مفهوم كلي . وإلا لحصل التصديق من غير تصور . وهو محال . لكن صاحب الإدراكات الكلية : هو النفس المجردة . فوجب أن يكون صاحب الإدراكات الجزئية أيضا : هو النفس . وإذا كان كذلك . فحينئذ يبطل قولهم : إن صاحب الإدراكات الجزئية يجب أن يكون قوة جسمانية .
هامش
( 1 ) سقط ( م ) ، ( ط ) . ( 2 ) وشيء ( م ) .