تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
فإذا جاز ذلك ، فلم لا يجوز أن يقال : إن الحال في الشرايين كذلك ؟ فإن تلك الصفات التي ذكرها « جالينوس » كانت حاصلة للشرايين من وقت انشعابها من القلب إلى وقت نفوذها في جرم الدماغ . أما بعد ذلك فقد حدثت لها صورة أخرى ، وخلقة أخرى ، بخلاف الصورة الأولى . وهذا الاحتمال لا يبطل بما ذكره « جالينوس » والدليل عليه : أن الفلاسفة اتفقوا على أن الطبيعة ، متى أمكنها الاكتفاء بالآلات القليلة ، لم تعدل عنه إلى إعداد الآلات الكثيرة . فههنا هذه الأجسام المسماة بالشريانات ، صورت بصور موافقة لتحصيل مطلوب معين ، وهو إيصال الدم والروح إلى الدماغ ، فلما حصل هذا المقصود ، فحينئذ تركب الطبيعة تلك الأجسام على صورة أخرى ، صالحة لمقصود آخر ، وهي صبورة الأعصاب . فثبت : أن الكلام الذي ذكره جالينوس لا يمكن جعله طعنا في مذهب « خروسيس » . وأما جوابه الثاني : فضعيف أيضا . وذلك لأن الروح القلبي ، كما صعد إلى الرأس في الشرايين الصغيرة ، فقد صعد أيضا إلى أسفل البدن في الشرايين الصغيرة . ثم إن القسم الصاعد إلى الرأس ، تغير عن حالته بسبب وصوله إلى جرم الدماغ ، وصار روحا دماغيا حاملا لقوة الحس والحركة . وأما القسم النازل من الأرواح القلبية ، لما وصلت إلى الرجلين ، فلم يتغير عن حالته البتة . فلم لا يجوز أن يكون الحال في أجرام الشريانات كذلك ؟ وتمام التقرير فيه : أنا ذكرنا أن الطبيعة تسعى في تقليل الآلة « 1 » ففي الدماغ احتاجت الطبيعة إلى إعداد آلة حاملة لقوة الحس والحركة ، فلا يبعد تكوين تلك الآلة من تلك الشظايا الشريانية . ولم توجد هذه الحاجة « 2 » في الرجلين . فظهر الفرق ، وثبت بهذا البيان الذي ذكرناه : أن الكلام الذي ذكره « جالينوس » في إبطال الاحتمال ، الذي ذكره « خروسيس » في غاية الضعف والسقوط .
هامش
( 1 ) الحاجة ( م ) . ( 2 ) الحالة ( ل ) .