تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
القلب ، تكون كالحبة التي منها انشعبت الأعصاب الكثيرة في الدماغ ؟ وثالثها : لو صح ما ذكره « جالينوس » لوجب أن يقال : إن أصل العروق الضوارب هي النسيجة الشبيهة بالشبكة التي في الدماغ ، لا القلب . لأن في تلك النسيجة من العروق والضوارب ، عدد لا يحصى . وهي في غاية المشابهة لعروق الشجرة . واعلم أن هذه النقوض التي ذكروها على « جالينوس » : وجوه متكلفة . ول « جالينوس » أن يجيب عنها . ولولا ظهورها لأوردناها . والوجه الثاني : سلمنا أن الكثرة والقوة لا يحصلان إلا عند المبدأ . إلا أنا نقول : لا نزاع أن القلب منبت الشرايين . ثم إن اجرام الشرايين من جنس أجرام الأعصاب . وإذا كان كذلك ، أمكن أن تكون الأعصاب متولدة من تلك الشرايين . وبهذا التقدير يكون القلب منبتا ومنشأ للعصب . فيفتقر في تقرير هذا الكلام إلى إثبات مقدمات . المقدمة الأولى : إن العروق من جنس الأعصاب . فالدليل عليه : أن أجرام العروق تتفشى وتنقسم إلى الشظايا الليفية التي لا حس لها ، وهي بيض لدنة ، عديمة الدم ، صلبة غير حساسة في أنفسها ، والأعصاب كذلك في جميع الصفات . والدليل على أن الأعصاب غير حسّاسة في أنفسها : إنك إذا شددت العصبة برباط قوي ، شدا قويا ، صار ما هو أسفل من موضع الشد : عديم الحس . وذلك يدل على أن العصب غير حساس في نفسه ، وإنما يجري إليه الحس من موضع آخر . فثبت : أن الشرايين والأعصاب من جنس واحد . وأما المقدمة الثانية : وهي في بيان أن الأعصاب والشرايانات ، لما كانت من جنس واحد ، أمكن تولد الأعصاب من الشرايانات : فهو أنا نقول : إن هذا الشرايانات لما انقسمت وتشعبت ، ودقت وصغرت ، ونفدت في الدماغ ، التفّ بعضها على بعض ، وانضمت أجزاؤها واتصلت . فصارت على صورة الأعصاب . وتمام الكلام فيه : أن هذه الشرايين حين انفصلت عن القلب ،