تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
إلى مؤثر غير معين . والثاني باطل ، لأن المؤثر الذي لا يكون معينا في ذاته امتنع وجوده في نفسه [ لأن كل ما كان موجودا في نفسه « 1 » ] فهو معين في ذاته ، وما لا يكون معينا في ذاته ، امتنع كونه موجودا في ذاته ، وما لا وجود له في ذاته ، امتنع احتياج غيره في الوجود إليه . فثبت : أن الإمكان « 2 » لا يحوج إلا إلى شيء معين . فوجب إسناد كل ممكن إليه . فثبت : أنه لا مؤثر إلا الواحد . فهذا تقرير هذا القول . وأما الجمهور الأعظم من أهل العالم . فقد أثبتوا مؤثرات كثيرة . قالوا : وكيف يمكننا إنكار ذلك ، ونرى النار [ مؤثرة « 3 » ] في الإحراق ، والشمس في الإشراق ، والخبز في الشبع ، والماء في الري ؟ ثم قالوا : والأرواح مؤثرة في عالم الأجسام ، ومدبرة لها ، ومتصرفة فيها . وأكدوا أقوالهم تارة بوجوه فلسفية ، وأخرى برموز نبوية . ألا ترى : أنه جاء في الكتاب الإلهي في صفات الملائكة :
فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً
« 4 » ؟ وقال أيضا :
فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً
« 5 » وإذا ثبت هذا ، فقد ظهر أن عالم الأرواح متوسط بين العالم الإلهي ، وبين العالم الجسماني ، لا توسطا بالحيز والمكان ، بل توسطا بالشرف والرتبة . فهي من حيث إنها متأثرة « 6 » عن العالم الإلهي ، كانت أدون منه ، ومن حيث إنها مؤثرة في عالم الأجسام ، كانت أعلى وأجل منها ، فلا جرم كانت درجة الأرواح متوسطة بين الدرجتين . إذا عرفت هذا فنقول : الروحانيات لها مراتب ودرجات : فالمرتبة الأولى : وهي أعلى مرتبة ، وأجلها رتبة : الذين يكونون
هامش
( 1 ) من ( ل ) . ( 2 ) الإمكان يحوج إلى ( م ) . ( 3 ) سقط ( طا ) . ( 4 ) الذاريات 4 . ( 5 ) النازعات 5 . ( 6 ) مؤثرة من ( ل ) .
المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 17 | فخر الدين الرازي