تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
مستغرقين في نور جلال اللّه تعالى ، استغراقا تاما ، بحيث لا يتفرغون مع ذلك الاستغراق ، لتدبير عالم الأجسام ، فطعامهم التوحيد ، وشرابهم التقديس ، وأنفسهم التنزيه . استغرقوا في نور جلال اللّه تعالى ، ولم يتفرغوا إلى شيء سوى اللّه تعالى . وهؤلاء هم الملائكة المقربون . وقد عبر الكتاب الإلهي عن هذه المرتبة بقوله :
وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ، لا يَفْتُرُونَ
« 1 » . ثم إن لهذا القسم من الروحانيات : درجات لا نهاية لها في الكمال والنقصان وذلك لأن أنوار جلال اللّه سبحانه وتعالى ، غير متناهية . فدرجات العارفين في العرفان أيضا : غير متناهية . ثم إنه لما كان لا صفة لهذا القسم من الروحانيات ، إلا الاستغراق في المعارف الإلهية ، والفناء في تلك الجلالة الصمدية ، لا جرم سمى الحكماء الإلهيون هذا القسم من الأرواح : بالعقول المحضة ، لأنها [ وإن كانت جواهر قائمة بأنفسها ، إلا أنها « 2 » ] لكثرة تعقلاتها ، وقوة معارفها ، صاروا كأنهم [ عين « 3 » ] تلك التعقلات ، ونفس تلك الإدراكات . فإن قال قائل : فعلى ما تقولونه أنتم ، لم يبق لهذا القسم من الروحانيات ، إلا قبول الوجود عن الحق ، وقبول الأضواء القدسية عن إشراق جلال الحق ، وكل ذلك انفعال وتأثر ، فأين التأثير والفعل ؟ فنقول في الجواب : إنها وإن كانت مستغرقة في تلك التعقلات الإلهية ، والتعقلات القدسية ، إلا أنه لا يبعد أن يفيض عنها : آثار عظيمة ، إما على الأرواح الفلكية ، أو على الأجرام الفلكية « 4 » فيضان النور عن الشمس ، والحياة عن
هامش
( 1 ) الأنبياء ( 19 - 20 ) ، والنص كامل في ( طا ) . ( 2 ) سقط ( طا ) ، ( ل ) . ( 3 ) من ( م ، ط ) . ( 4 ) الفلكية ، ففاض عنها الأنوار ، فيضان . . . إلخ ( م ، ط ) .
المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 18 | فخر الدين الرازي