تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
فالفاعل الذي لا يجد إلا تلك الآلة ، لا بد وأن يبقى مواظبا على ذلك الفعل ، وتكرر ذلك الفعل يوجب حصول الملكة الراسخة لذلك الفاعل ، إلا أن هذا الخيال إنما يحصل بعد المواظبة على ذلك الفعل زمانا طويلا . أما الصبيان فإنهم أول ما يشرعون [ في الفعل . يشرعون « 1 » ] على هذه الوجوه المختلفة ، فامتنع أن تكون تلك الأخلاق ، بسبب اختلاف الأمزجة والأبدان . وإنما قلنا : إنه لا يمكن أن يكون ذلك الاختلاف بسبب القرناء والمعلمين ، لأن الصبيان لم توجد في حقهم هذه الأحوال . ولما ظهر فساد هذين القسمين ، بقي القسم الأول وهو أن يكون ذلك الاختلاف ، لأجل اختلاف جواهر النفوس . وهو المطلوب . الحجة الخامسة : إنا نرى أن النفوس تختلف في أحوال كثيرة ، ولا يمكن تعليل ذلك الاختلاف ، باختلاف الأمزجة مثل : إن بعض النفوس قد تقوى على تحصيل علم دقيق غامض ، وتعجز عن تحصيل علم سهل ، كالنحو والتصريف ، بل قد يختلف حال الفهم في مسائل العلم الواحد ، فقد يسهل تعلم الباب الواحد من علم ، ويصعب تعلم الباب الثاني . ومن تأمل في أحوال الناس ، عرف أن الأمر كذلك . والنفس هي الأصل ، والبدن محل تصرفها ، ومنزل عملها . وإحالة هذه الأحوال المختلفة على المبدأ الأصلي ، أولى من إحالتها على اختلاف الآلات والأدوات ، لا سيما والعلم الضروري حاصل بأنه يبعد أن يقال : السبب في كون الإنسان بحيث يفهم المنطق ، أسهل ، والإلهي أصعب : هو وقوع التفاوت في الأمزجة . الحجة السادسة : إنا نرى الاختلاف العظيم في الحيوان الذي ليس بناطق ، فبعضها آنسة نافعة كالأنعام والخيل والبغال والحمير ، وبعضها مفسدة مؤذية كالأسد والنمر والذئب ، وبعضها ذو مكر وخداع كالقرد والثعلب [ وبعضها يحب الانفراد كالذئب والأسد « 2 » ] وبعضها يحب الاجتماع كالخيل والبقر والغنم ، وبعضها يجمع الغذاء ويدخره لنفسه كالنمل والنحل ، وبعضها
هامش
( 1 ) سقط ( م ) . ( 2 ) سقط ( طا ، ل ) .