تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
فلو حصل في الجسم أبعاض غير متناهية ، لزم أن لا يصل السريع إلى البطيء البتة . ولما كان هذا التالي كاذبا ، كان المقدم أيضا باطلا . الحجة السادسة : إن الجسم المتناهي في الحجم والمقدار ، قد حصل له طرفان ، وأحاط به جانبان . فلو حصل فيما بين هذين الطرفين والجانبين أجزاء غير متناهية ، لصار غير المتناهي محصورا بين حاصرين . وذلك محال بالبديهة . فهذه جملة الدلائل المذكورة في بيان : أنه يمتنع كون الجسم مؤلفا من أجزاء لا نهاية لها بالفعل . واعلم : أن المتكلمين كانوا يقولون : لما بطل هذا المذهب ، فقد ثبت القول بالجوهر الفرد . وأما الفلاسفة : فقد استبعدوا هذا الكلام ، وحكموا على صاحبه بالجهل ، وقلة الفهم . وقالوا : إنه لا يلزم من إبطال تركب الجسم من أجزاء لا نهاية لها ، كونه مركبا من أجزاء متناهية . بل الحق : أن الجسم في نفسه شيء واحد ، ليس مركبا البتة من الأجزاء « 1 » وحينئذ لا يبقى في ذكر هذه الدلائل منفعة في إبطال قولنا ومذهبنا . واعلم : أنا بينا بالوجوه القاطعة اليقينية : أن الجسم لو كان قابلا لانقسامات لا نهاية لها ، لوجب كونه مركبا من أجزاء لا نهاية لها . فإذا ذكرنا هذه الدلائل في بيان أنه يمتنع كون الجسم مؤلفا من أجزاء لا نهاية لها بالفعل . فحينئذ يلزم فساد المقدم ، وهو كونه قابلا لانقسامات لا نهاية لها . وعلى هذا الطريق فإن هذه الدلائل ينتفع بها في إبطال قول الفلاسفة . واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) أجزاء ( م ) .
المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 73 | فخر الدين الرازي