تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
وأما القائلون بأنها غير متناهية : فقد احتجوا بوجوه : الحجة الأولى : قالوا : إنا لو فرضنا أنفسنا على طرف العالم الجسماني ، فإن صريح عقلنا يحكم بأنا في تلك الحالة نميز بين قدامنا وخلفنا ، ويميننا ويسارنا . ولا يمكننا أن نشكك أنفسنا في هذه القضية . كما أنه لا يمكننا أن نشكك أنفسنا في سائر البديهيات . فلو جاز الطعن في هذا الجزم ، لجاز أيضا في كل ما يجزم به العقل . وحينئذ تلزم السفسطة . ولا يقال : إن هذا الجزم إنما جاء من قبل الوهم والخيال ، لا من قبل العقل . لأنا نقول : علمنا بأن هذا الجزم إنما جاء من قبل الوهم والخيال ، مع علمنا بأن حكم الوهم والخيال كاذب : أما أن يكون علما ضروريا أو نظريا . فإن كان الأول : امتنع مع حصول ذينك العلمين ، حصول الجزم والقطع في هذه القضية . وقد فرضنا حصوله . وإن كان الثاني فحينئذ تتوقف صحة البديهيات على النظريات . ولا شك أن النظريات موقوفة على البديهيات . فيلزم الدور « 1 » وهو محال . ومما يقوي هذا الدليل : إنا إذا عرضنا على عقولنا : أنا عند الوقوف على طرف العالم ، لا بد وأن نميز جانب القدام عن جانب الخلف ، وعرضنا أيضا على عقولنا تلك المقدمات ، التي ركبتم دلائلكم في وجوب تناهي الأبعاد عليها . فإنا وجدنا جزم العقل بتلك القضية ، أقوى وأكمل من جزمها بتلك القضايا ، التي ركبتم دلائلكم في وجوب تناهي الأبعاد عليها . والعقل يوجب ترجيح الراجح على المرجوح . فكان الرجوع إلى هذه القضية أولى من الرجوع إلى تلك الوجوه المتكلفة ، والمقدمات المتعسفة . الحجة الثانية للقائلين بأنه لا نهاية للأجسام : هي أن الموجب لوجود هذه الأجسام موجود . ولا مانع من هذا الإيجاب البتة . فوجب الجزم بالحصول . أما بيان المقام الأول : فهو أن كل ما لا بد في كونه تعالى مؤثرا في
هامش
( 1 ) الدور والمحال ( م ) .
المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 186 | فخر الدين الرازي