تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
داعي الحكمة : السعي في إيصال الخير إلى الغير . إذا عرفت هذا فنقول : إن التجربة تدل على أن السعي في إيصال النفع إلى النفس . وفي دفع الضرر عن النفس يمكن حصوله مع عدم السعي في اتصال النفع إلى الغير ، وفي دفع الضرر عن الغير من غير أن يكون المقصود منه السعي في إيصال النفع إلى النفس ودفع الضرر عن النفس . فهذا مما « 1 » يثبت عندنا جوازه بالدليل . وتقريره : أن الواحد منا إذا أحسن إلى المريض الأعمى في الصحراء الخالية مع كون ذلك المحسن دهريا ، منكرا للثواب والعقاب ، فله فيه أغراض ومنافع . أحدها : أنه إذا أتى بذلك العمل ، صار هو عند نفسه ، موصوفا بصفة حميدة . وهي كونه محسنا إلى المحتاجين . وإذا لم يأت بذلك الإحسان ، فإنه يكون عند نفسه موصوفا بالقسوة والغلظة وعدم الرحمة . فالحامل له على ذلك الفعل : تحصيل صفة الكمال لنفسه ، ودفع صفة النقص عن نفسه . وثانيها : ما ذكرناه في الفصل المتقدم أنه يدفع بذلك الفعل عن قلبه ألم الرقة الجنسية . وثالثها : إنه لما رأى ذلك الفعل خاليا للمدح والثناء في أكثر الصور . والنادر يلحق بالغالب في الخيال والوهم صارت هذه الصورة ملحقة بذلك الغالب . فأما لو قدرنا انتفاء هذا الأحوال الثلاثة ، فإنا لا نعرف أن ذلك الرجل يحسن إلى ذلك الفقير الأعمى ، بل ربما فعل ، وربما لم يفعل . فيثبت بما ذكرنا : أنه لم يثبت عندنا في الشاهد نوع آخر من الدواعي ، سوى القسم الذي سميتموه بداعية الحاجة . فاما القسم الذي سميتموه بداعية الإحسان ، فلم يثبت بالدليل وجوده في الشاهد البتة . قالت المعتزلة : هاهنا دليل يدل على صحة هذا القسم . وهو : أنه قد ثبت أن العالم محدث ، وكل محدث فله محدث . فالعالم محدث . ومحدث العالم ليس بجسم ، فوجب أن لا تصح عليه الحاجة . إذا ثبت هذا فنقول : فاعل
هامش
( 1 ) في ( م ) مما لم يثبت عنده جوازه إلا بالدليل .