تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
حصلته ، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم بل بالذوق والسلوك . وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها في التفتيش عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقيني بالله تعالى وبالنبوة وباليوم الآخر . فهذه الأصول الثلاثة من الإيمان كانت رسخت في نفسي لا بدليل معين محرر بل بأسباب وقرائن وتجاريب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها . وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع لي في سعادة الآخرة إلا بالتقوى وكف النفس عن الهوى ، وأن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا بالتجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والإقبال بكنه الهمة على اللّه تعالى ؛ وأن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال ، والهرب من الشواغل والعلائق . ثم لاحظت أحوالي ، فإذا أنا منغمس في العلائق وقد أحدقت بي من الجوانب ، ولاحظت أعمالي وأحسنها التدريس والتعليم ، فإذا أنا فيها فيها مقبل على علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة . ثم تفكرت في نيتي في التدريس ، فإذا هي غير خالصة لوجه اللّه تعالى ، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت ، فتيقنت أني على شفا جرف هار ، وأني قد أشفيت على النار إن لم أشتغل بتلافي الأحوال . فلم أزل أتفكر فيه مدة وأنا بعد على مقام الاختيار ، أصمم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوما ، وأحل العزم يوما ، وأقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى ، لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة إلا ويحمل عليها جند الهوى حملة فتفترها عشية . فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام ، ومنادي الإيمان ينادي : الرحيل ! الرحيل ! فلم يبق من العمر إلا قليل ، وبين يديك السفر الطويل ، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل ، فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد ؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع ؟ فعند ذلك تنبعث الداعية ، وينجزم العزم على الهرب والفرار . ثم يعود الشيطان ويقول هذه حال عارضة إياك أن تطاوعها ، فإنها سريعة الزوال ، فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض ، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص ، والأمن المسلم الصافي عن منازعة الخصوم ، ربما التفتت إليه نفسك ولا يتيسر لك المعاودة . فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبا من ستة أشهر ، أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ؛ وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار ، إذ أقفل اللّه على لساني حتى اعتقل عن التدريس ، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوما واحدا تطييبا لقلوب المختلفين إليّ ، فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة ، حتى أورثت هذه العقلة في لساني حزنا في القلب بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب ، فكان لا ينساغ لي ثريد ، ولا تنهضم لي لقمة ؛ وتعدى إلى ضعف القوى ، حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج ، وقالوا : هذا أمر نزل بالقلب ومنه سرى إلى المزاج ، فلا سبيل إليه بالعلاج ، إلا
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 553 | الغزالي