تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 552

مساهمون:

ص٥٥٢
كالمتضمخ بالنجاسة يتعب في طلب الماء حتى إذا وجده لم يستعمله وبقي متضمخا بالخبائث . ومنهم من ادعى شيئا من علمهم ، فكان حاصل ما ذكره شيئا من ركيك فلسفة فيثاغورس ، وهو رجل من قدماء الأوائل ، ومذهبه أرك مذاهب الفلاسفة ، وقد رد عليه أرسطاطاليس ، بل استرك كلامه واسترذله ؛ وهو المحكي في كتاب إخوان الصفا ، وهو على التحقيق حشو الفلسفة . فالعجب ممن يتعب طول العمر في طلب العلم ثم يقنع بمثل ذلك العلم الركيك المستغث ، ويظن بأنه ظفر بأقصى مقاصد العلوم ! فهؤلاء أيضا جربناهم وسبرنا ظاهرهم وباطنهم ، فرجع حاصلهم إلى استدراج العوام وضعفاء العقول ببيان الحاجة إلى المعلم ، ومجادلتهم في إنكارهم الحاجة إلى التعليم بكلام قوي مفحم ، حتى إذا ساعدهم على الحاجة إلى المعلم مساعد وقال : هات علمه وأفدنا من تعليمه ! وقف وقال : الآن إذا سلمت لي هذا فاطلبه ، فإنما غرضي هذا القدر فقط . إذ علم أنه لو زاد على ذلك لافتضح ولعجز عن حل أدنى الإشكالات ؛ بل عجز عن فهمه فضلا عن جوابه . فهذه حقيقة حالهم فأخبرهم تقلهم فلما خبرناهم نفضنا اليد عنهم أيضا .

4 - طرق الصوفية

ثم إني فرغت من هذه العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية وعلمت أن طريقتهم إنما تتم بعلم وعمل ؛ وكان حاصل عملهم قطع عقبات النفس ، والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة ، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير اللّه تعالى وتحليته بذكر اللّه . وكان العلم أيسر علي من العمل ، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي رحمه اللّه ، وكتب الحارث المحاسبي ، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي قدس اللّه أرواحهم ، وغير ذلك من كلام مشايخهم ، حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية ، وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقها بالتعلم والسماع ، فظهر لي أن أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات . وكم من الفرق بين أن يعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما ، وبين أن يكون صحيحا وشبعانا ، وبين أن يعرف حد السكر وأنه عبارة عن حالة تحصل من استيلاء أبخرة تتصاعد من المعدة على معادن الفكر ، وبين أن يكون سكرانا . بل السكران لا يعرف حد السكر ، وعلمه وهو سكران وما معه من علمه شيء ، والصاحي يعرف حد السكر وأركانه وما معه من السكر شيء . والطبيب في حالة المرض يعرف حد الصحة وأسبابها وأدويتها وهو فاقد الصحة . فكذلك فرق بين أن تعرف حقيقة الزهد وشروطها وأسبابها ، وبين أن يكون حالك الزهد وعزوف النفس عن الدنيا . فعلمت يقينا أنهم أرباب الأحوال لا أصحاب الأقوال ، وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم فقد