تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 550

مساهمون:

ص٥٥٠
المجتهدون كيف يصنع " ؟ . فسيقول : " له مع نفسه اجتهاد في معرفته الأفضل الأعلم بدلائل القبلة ، فيتبع ذلك الاجتهاد ، فكذلك في المذاهب " . فرد الخلق إلى الاجتهاد . ضرورة . الأنبياء والأئمة مع العلم بأنهم قد يخطئون ، بل قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " أنا أحكم بالظّاهر واللّه يتولّى السّرائر " أي : أنا أحكم بغالب الظن الحاصل من قول الشهود وربما أخطئ فيه . ولا سبيل إلى الأمن من الخطأ للأنبياء في مثل هذه المجتهدات فكيف نطمع في ذلك ؟ ولهم هاهنا سؤالان : أحدهما قولهم هذا : وإن صح في المجتهدات فلا يصح في قواعد العقائد ، إذ المخطئ فيها غير معذور . فكيف السبيل إليه ؟ فأقول : " قواعد العقائد يشتمل عليها الكتاب والسنة وما وراء ذلك من التفصيل ، والمتنازع فيه يعرف الحق فيه بالوزن بالقسطاس المستقيم ، وهي الموازين التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه ، وهي خمسة ذكرتها في كتاب القسطاس المستقيم " . فإن قال : " خصومك يخالفونك في ذلك الميزان " فأقول : " لا يتصور أن يفهم ذلك الميزان ثم يخالف فيه ، إذ لا يخالف فيه أهل التعليم ، لأني استخرجته من القرآن وتعلمته منه . ولا يخالف فيه أهل المنطق ، لأنه موافق لما شرطوه في المنطق غير مخالف له . ولا يخالف فيه المتكلم ، لأنه موافق لما يذكره في أدلة النظريات ، وبه يعرف الحق في الكلاميات » . فإن قال : " فإن كان في يدك مثل هذا الميزان ، فلم لا ترفع الخلاف بين الخلق ؟ " فأقول " لو أصغوا إليّ لرفعت الخلاف بينهم ؛ وذكرت طريق رفع الخلاف في كتاب " القسطاس المستقيم " فتأمله لتعلم إنه حق وأنه يرفع الخلاف قطعا لو أصغوا ، ولا يصغون إليه بأجمعهم ! بل قد أصغى إليّ طائفة فرفعت الخلاف بينهم وإمامك يريد رفع الخلاف بينهم مع عدم إصغائهم فلم لم يرفع إلى الآن ؟ ولم لم يرفع علي رضي اللّه عنه وهو رأس الأئمة ؟ أو يدعي أنه يقدر على حمل كافتهم على الإصغاء قهرا ، فلم لم يحملهم إلى الآن ؟ ولأي يوم أجله ؟ وهل حصل بين الخلق بسبب دعوته إلا زيادة خلاف وزيادة مخالف ؟ نعم ! كان يخشى من الخلاف نوع من الضر لا ينتهي إلى سفك الدماء ، وتخريب البلاد ، وإيتام الأولاد ، وقطع الطرق ، والإغارة على الأموال . وقد حدث في العالم من بركات رفعكم الخلاف ما لم يكن بمثله عهد " فإن قال : " ادعيت أنك ترفع الخلاف بين الخلق ولكن المتحير بين أهل المذاهب المتعارضة والاختلافات المتقابلة لم يلزمه الإصغاء إليك دون خصمك وأكثر الخصوم يخالفونك ولا فرق بينك وبينهم " . وهذا هو سؤالهم الثاني فأقول : هذا أولا ينقلب عليك ، فإنك إذا دعوت هذا المتحير إلى نفسك فيقول المتحير : بم صرت أولى من مخالفيك وأكثر أهل العلم يخالفونك ؟ فليت شعري بما ذا تجيب ! أتجيب بأن تقول إمامي منصوص عليه ؟ فمن يصدقك في دعوى النص وهو لم يسمع النص من الرسول ؟ وإنما لم يسمع دعواك مع تطابق أهل العلم على اختراعك