تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 556

مساهمون:

ص٥٥٦

حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها

اعلم أن جوهر الإنسان في أصل الفطرة خلق خاليا ساذجا لا خبر معه عوالم اللّه تعالى ، والعوالم كثيرة لا يحصيها إلا اللّه تعالى كما قال
وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ
[ المدثر : 31 ] وإنما خبره عن العوالم بواسطة الإدراك ، وكل إدراك من الإدراكات خلق ليطلع الإنسان به على عالم من الموجودات ، ونعني بالعوالم أجناس الموجودات . فأول ما يخلق في الإنسان حاسة اللمس ، فيدرك بها أجناسا من الموجودات كالحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، واللين والخشونة وغيرها . واللمس قاصر عن الألوان والأصوات قطعا ، بل هي كالمعدومة في حق اللمس . ثم تخلق له حاسة البصر ، فيدرك بها الألوان والأشكال ؛ وهو أوسع عوالم المحسوسات . ثم ينفخ فيه السمع ، فيسمع الأصوات والنغمات . ثم يخلق له الذوق . وكذلك إلى أن يجاوز عالم المحسوسات ، فيخلق فيه التمييز وهو قريب من سبع سنين ، وهو طور آخر من أطوار وجوده ، فيدرك فيه أمورا زائدة على عالم المحسوسات ، لا يوجد منها شيء في عالم الحس . ثم يترقى إلى طور آخر ، فيخلق له العقل ، فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات ، وأمورا لا توجد في الأطوار التي قبله . ووراء العقل طور آخر تنفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل ، وأمورا أخرى العقل معزول عنها كعزل قوة التمييز عن إدراك المعقولات ، وكعزل قوة الحس عن مدركات التمييز . وكما أن المميز لو عرضت عليه مدركات العقل لأباها واستبعدها ، فكذلك بعض العقلاء أبى مدركات النبوة واستبعدها ؛ وذلك عين الجهل ، إذ لا مستند له إلا أنه طور لم يبلغه ولم يوجد في حقه ، فيظن أنه غير موجود في نفسه . والأكمه لو لم يعلم بالتواتر والتسامع الألوان والأشكال ، وحكي لو ذلك ابتداء ، لم يفهمها ولم يقرّ بها . وقد قرب اللّه تعالى ذلك على خلقه بأن أعطاهم أنموذجا من خاصية النبوة وهو النوم ، إذ النائم يدرك ما سيكون من الغيب إما صريحا وإما في كسوة مثال يكشف عنه التعبير . وهذا لو لم يجربه الإنسان من نفسه وقيل له : " إن من الناس من يسقط مغشيا عليه كالميت ويزول عنه إحساسه وسمعه وبصره فيدرك الغيب " لأنكره ، وأقام البرهان على استحالته وقال : القوى الحساسة أسباب الإدراك ، فمن لا يدرك الأشياء مع وجودها وحضورها ، فبأن لا يدركها مع ركودها أولى وأحق . وهذا نوع قياس يكذبه الوجود والمشاهدة ؛ فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي يحصل فيه عين يبصر بها أنواعا من المعقولات ، والحواس معزولة عنها ، فالنبوة أيضا عبارة عن طور يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها الغيب ، وأمور لا يدركها العقل . والشك في النبوة إما أن يقع في إمكانها ، أو في وجودها ووقوعها ، أو في حصولها