تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
كل جيفة على الأرض ، يلعنه كلّ من يمرّ عليه من الخلق » . والميت أيضا يحشر بظلامته ، وفي الصحيح أن المقتول في سبيل اللّه يأتي يوم القيامة وجرحه يشخب دما . اللون لون الدم ، والريح ريح المسك ، حتى يقف بين يدي اللّه عز وجل . فإذا ساقتهم الملائكة زمرا وأفواجا تحت كل واحد ما قدر له ، وجمعوا في صعيد واحد من إنس وجن وشيطان ووحش وسبع وطير ، تحولهم الملائكة إلى الأرض الثانية وهي أرض بيضاء من فضة نورية ، وصارت الملائكة من وراء العالمين حلقة واحدة فإذا هم أكثر من أهل الأرض بعشر مرات . ثم إن اللّه سبحانه وتعالى يأمر ملائكة السماء الثانية فيحدثون حلقة واحدة فإذا هم مثلهم عشرين مرة . ثم تنزل ملائكة السماء الرابعة فيحدقون بالكل حلقة واحدة فإذا هم مثلهم ثلاثين ضعفا . ثم تنزل ملائكة السماء الرابعة فيحدقون من وراء الكل فتكون حلقة واحدة أكثر منهم بأربعين ضعفا . ثم تنزل ملائكة السماء الخامسة فيحدقون من ورائهم حلقة واحدة فيكونون مثلهم خمسين مرة . ثم تنزل ملائكة السماء السادسة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة وهم مثلهم ستين مرة . ثم تنزل ملائكة السماء السابعة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة وهم مثلهم سبعين مرة . والخلق تتداخل ويندرج بعضهم في بعض حتى يعلو القدم ألف قدم لشدة الزحام ، ويخوض الناس في العرق على أنواع مختلفة إلى الآذان وإلى الصدر وإلى الحلقوم وإلى المنكبين وإلى الركبتين ، ومنهم من يصيبه الرشح اليسير كالقاعد في الحمام ، ومنهم من يصيبه البلل كالعطش إذا شرب الماء . وأصحاب الرأي هم أصحاب الكراسي ، وأصحاب الكعبين قوم يموتون غرقى ، والملائكة تناديهم
لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
[ الأعراف : 49 ] . وحدثني بعض العارفين أنهم الأوابون كالفضيل بن عياض وغيره إذ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : " التّائب من الذّنب كمن لا ذنب له " فإن دليل ذلك قول مطلق . وهذه الأصناف الثلاثة : أهل الرأي ، والرشح ، وأهل الكعب ، هم الذين تبيض وجوههم ومن دونهم تسود وجوههم . وكيف لا يكون القلق والعرق والأرق وقد قربت الشمس من رؤوسهم حتى لو أن أحدا مد يده يضاعف حرها سبعين مرة ! وقال بعض السلف : لو طلعت الشمس على الأرض كهيئتها يوم القيامة لأحرقت الأرض ، وأذابت الصخر ، ونشفت الأنهار . فبينما الخلائق يمرحون وهم في تلك الأرض البيضاء التي ذكرها اللّه تعالى حيث يقول :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ إبراهيم : 48 ] . وهم على أنواع في المحشر ، وملوك أهل الدنيا كالذر كما روي في الخبر في صفة المتكبر . وليس هم كهيئة الذر عينا ، غير أن الأقدام تطأ عليهم حتى صاروا كالذر في مذلتهم وانخفاضهم . وقوم يشربون ماء باردا عذبا صافيا ، لأن الصبيان يطوفون على آبائهم بكئوس من أنهار الجنة يسقونهم . وعن بعض السلف الصالحين أنه نام فرأى القيامة قد قامت وكأنه في الموقف عطشان ، ورأى صبيانا صغارا يسقون الناس ، قال فناديتهم : ناولوني شربة ماء ! فقال لي واحد
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 524 | الغزالي