تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
كما قال الجليل جل جلاله :
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً
[ مريم : 85 ] . وفي غريب الحديث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال يوما لأصحابه : « كان رجل من بني إسرائيل كثيرا ما يفعل الخير حتّى إنّه ليحشر فيكم . قالوا له : وما كان يصنع ؟ قال : ورث من أبيه مالا كثيرا فاشترى بستانا فحبسه للمساكين وقال هذا بستاني عند الله ، وفرّق دنانير عديدة في الضّعفاء وقال بهذا أشتري جارية من اللّه تعالى وعبيدا ، وأعتق رقابا كثيرة وقال هؤلاء خدمي عند الله ، والتفت ذات يوم إلى رجل ضرير البصر فرآه تارة يمشي وتارة يكبو فابتاع له مطيّة يسير عليها وقال هذه مطيّتي عند الله تعالى أركبها . والّذي نفسي بيده لكأنّني أنظر إليها وقد جيء بها مسرجة ملجمة لأركبها في الموقف » . وقيل في تفسير قوله تعالى
أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ الملك : 22 ] . أنه مثل ضربه اللّه ليوم القيامة في حشر المؤمنين والكافرين ، كما قال اللّه تعالى :
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً
[ مريم : 86 ] . أي مشاة على وجوههم ، هذا قول بعض المفسرين ، وليس الأمر كما حكاه ، وإنما السر في ذلك أنه تارة يمشي وتارة يكبو على وجهه ، والذي تأوله بعيد ، لأن اللّه تعالى ذكر الأرجل فقال تعالى
وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ النور : 24 ] . وقوله
عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا
[ الإسراء : 97 ] . تفسير غير المقصد الذي أرادوه ، وترك الإشارة التي نبأك عليها ، فقد رأيت العرب يتمثلون بها ويقولون : هذا يمشي على وجهه ، إذا كان يكبو ، ومعناه : عميا عن النور الذي يشعشع بين أيدي المؤمنين وعن أيمانهم ، وليس العمى الكلي إرادتهم ، لأنه لا خلاف أنهم ينظرون السماء تنشق بالغمام ، والملائكة تنزل ، والجبال تسير ، والكواكب تنثر . وكل أهوال يوم القيامة تفسير قوله تعالى
أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ
[ الطور : 25 ] . فمعنى العمى في القيامة الخوض في الظلمة والمنع عن النظر إلى الكريم ، إذ نور اللّه سبحانه وتعالى تشرق به الأرض البيضاء ، وهم قد ضرب على أبصارهم غشاوة لا ينظرون إلى شيء من ذلك . كذلك ضرب على آذانهم فلا يسمعون كلام اللّه تعالى والملائكة الذين ينادون
لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
[ الأعراف : 49 ] .
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ
[ الزخرف : 70 ] . وكذلك منعوا من الكلام كأنهم بكم ، يفسره قوله تعالى
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ
[ المرسلات : 35 ، 36 ] . والممنوع من الشيء موصوف بالضعف عن قدرته وإن كانت الصفة فيه موجودة كأنها معدومة الوجود في حال دون حال . ومن الناس من يحشر بفتنته الدنيوية ، فقوم مفتونون بالعود وعاكفون عليه دهرهم ، فعند قيام أحدهم من قبره يأخذه بيمينه فيطرحه من يده ويقول سحقا لك شغلتني عن ذكر اللّه ! فيعود إليه ويقول أنا صاحبك حتى يحكم اللّه بيننا وهو خير الحاكمين . وكذلك يبعث السكران سكرانا والزامر زامرا وكل أحد على الحال الذي صده عن سبيل اللّه ، ومثله الحديث الذي روي في الصحيح « إنّ شارب الخمر يحشر والكوز معلّق في عنقه والقدح بيده ، وهو أنتن من