تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
وقد عادت الجبال رمالا ، وهو الكثيب المهيل ، ثم يحيي اللّه سبحانه وتعالى إسرافيل فينفخ في الصور من صخرة ببيت المقدس ، والصور قرن من نور له أربعة عشر دارة ، الدارة الواحدة فيها ثقوب بعدد أرواح البرية ، فتخرج أرواح البرايا لها دويّ كدويّ النحل فتملأ ما بين الخافقين ، ثم تذهب كل نسمة إلى جثتها . فسبحان ملهمهم إياها ! حتى الوحش والطير وكل ذي روح ، فإذا الكل كما قال تعالى
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ
[ الزمر : 68 ] . والزجرة العظيمة هي الصيحة كما قال اللّه تعالى :
فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ
[ النازعات : 13 ، 14 ] . والساهرة هي الأرض السفلى ، لأنهم فتحوا أبصارهم عند قيامهم فنظروا إلى جبال منسوفة ، وبحار منزوفة ، والأرض لا عوج فيها ولا أمت ، والأمت الشيء المرتفع كالربوة ، والعوج الأرض المنخفضة كالوهدة والأودية ، وإنما صارت مستوية كأنها صحفة قاعدة . فتعجبوا لما نظروا من الساهرة وقعد كل واحد منهم على قبره عريانا منتظرا متعجبا متفكرا معتبرا كما قال صلى اللّه عليه وسلم في الصحيح « عراة غرلا » أي غير مختونين ، إلا قوما ماتوا في الغربة مؤمنين لم يكفنوا ، فإنهم يحشرون وقد كسوا ثيابا من الجنة ، وأقواما ماتوا شهداء فيقومون وقد كسوا من الجنة ، وأقواما أيضا من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم متحرين السنة ما خافوا عنها سم الخياط ، فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « بالغوا في أكفان موتاكم فإنّ أمّتي تحشر بأكفانها وسائر الأمم عراة » رواه أبو سفيان مسندا . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « يحشر الميّت في ثيابه » وبعض الموتى لما احتضر قال : اكسوني الثوب الفلاني ، فمنع منه حتى مات في غلالة ليس عليه غيرها ، فرئي في المنام بعد أيام قلائل كأنه حزين فقال له : ما بالك ؟ فأعرض عن خطابه ثم قال : منعتموني ثوبي وجعلتموني أحشر في هذه الغلالة لا غير .

فصل في الإقامة التي بين النفختين

وهي الموتة الثانية ، لأنها منعت من الحواس الباطنة ، والموت الجسماني منع من الحواس الظاهرة ، لأن الأجرام هي الفاعلة للحركة ، ولأنهم لا يصلّون ولا يصومون ولا هم يتعبدون ، ولو أدخل اللّه ملكا في جثة لأقام فيها ، لأنه ذو حرص على التحيز إلى عالمه . والنفس جوهر بسيط ، فإذا ركبت في الجسد صحت حياته وأفعاله . واختلف الناس في هذه المدة الكائنة بين النفختين ، واستقر جمهورهم على أنها أربعون سنة ، وحدثني من لا أشك في علمه ولا معرفته أن أمر ذلك لا يعلمه إلا اللّه تعالى لأنه من أسرار الربوبية ، وكذلك حدثني أن الاستثناء واقع عليه سبحانه وتعالى خاصة ، فقلت : ما معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أنا أوّل من تنشقّ الأرض عنه يوم القيامة ، فإذا أخي موسى آخذ بقائمة العرش فلا أدري أبعث قبلي أم كان ممّن استثناه الله عزّ وجلّ ؟ » فلا يخرج من هذا الحديث على ما نقدره إلا غير أجسام ، وإن كان موسى الآن لا جثة له ، وبعد الاستثناء الذي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أمر الفزع ، لأن البرايا عند الصعقة وعند الفزعة كما قال كعب وقد حدث في مجلس عمر