تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
أجود الخيل والرجال ، واعلم أن من خامرك في الأول هو يخامرك في الآخر ويؤفك معك ، وبددها وإن شئت في العسكر ، وأبرك كمينا من أجود رجالك ، فإذا وجدت الفيء في القتال فاستجرّ الأعداء إلى قريب الكمين ، وليكن بينكم علامة ، فإذا عزمت إلى قتال قومك فعجل ولا تطل في مكث مكان خوف الفشل والمفاسخة كما عمل ذو القرنين في عسكر دارا فأفشلهم وبذلهم وفسخهم وبرطلهم . فتقدم واعلم وكن بذالا لا متأخرا ، وانظر في دساتير الرحيل فكثّر إن شئت وقلّل ، وليكن لك عين على معرفة القائلين والغم على من قاتل ، واعزل عن الجبان على الهوينا ، ثم احتسب على خزائنك وخزانك بمعرفة ما فيها وما ينقص ويزداد . وإن لم يكن لك بد من التزويج فاستبد إلى أموال ورجال ودين وجمال ، وإن كان الشرع قد أمر بذات الدين . واعلم أن الملك بغير جواسيس وأخذ أخباره كالجسد الذي لا روح فيه . وحصل آلات الحصون مما يحتاج إليه في الضيق فإنك لا تدري لعل اللّه يحدث بعد ذلك أمرا . ولا تتم لهيئة الرعية واختلاف الجند . وامنع الفقهاء عن الكلام في الفتن ، وأمر نوابك أن ينظروا ما عند الخلق من الأطعمة في المحل ، ولا تمنع الناس من تحصيل الأطعمة فإنه لك وللناس عند الحاجة . وانظر فيمن امتنع عن الزراعة إن كان لفقر فقوّة وإن كان لظلم فانصره ، كما قال ملك الهند : أنا أفرح لكثرة دجاج البلد ، فإنه فرع الأمارة . واغتم لكثرة الخاطبين خوفا من ظلم المقاطع ، وقد كان ذو القرنين يحوي دساتيره على أعداء الغرباء وتسلم عليه المرأة بقدر من اللبن فإذا رآه سمنا ضحك لجودة الربيع ، وكان يقول أنا أمسك الفلاح إذا أخذ مثله وأميل المقطع فأخذ معناه إنما المقطع بالخير فإن لم يجده انتقل ، والملك بفلاحه إذ هو خزّانه وبه يسطو ويجيد وينعم ويطلق وينظر في الخزائن والأمراء . وإذا قدر على تبديل الطعام بغيره فليفعل ، فقد كان المأمون يستعرض السلاح والآلات مثل الخيم والمجانيق حتى قال لأمير دوابه : رتب مخاليك كما ترتب معاليك .

فصل وهو المقالة السادسة في ترتيب الولاة

لا ترتب في الحصون إلا وليّا شفيقا رفيقا بالخلق ، ولا تكلفه ثقلا فتستقضه من بلدك ، وأشبعه وجند الحصن ، وانظر في مراكز خيره ومائة وحرسه وسوره ، وتذلل حراسك في البروج ، وطف بنفسك أيها الوالي على أعلى سورك ، ولا تخالط جندك بالليل خوف المخامرة ، واسأل عن أعدائك ولا تحقر القليل فإن الذبابة تقتل جملا ، وكم من عقرب أمات الأفعى لسعها كما قيل :
ولا تحقرن أبدا صغيرا فربما * تموت الأفاعي من سموم العقارب
واحذر من مكر ذي الإحن فقد قيل :
وإنّ الجرح ينغض بعد حين * إذا كان البناء على فساد
ولا يكون الوالي شريب خمر ، وهكذا الأمير ، فلو حضر في مجالسهم فليحاكم بالجلاب ، ففي