عيد لك لكشف المظالم وسماع الرسل : تترك الناس صفين يمينا وشمالا والوسط مفتوح لئلا يحجب عنك منظور وصاحب حاجة وتسأل عمن تنكره ، ولا تستخدم من لا تعرفه إلا بخبرة أو ضمان أو تسليم إلى عقيدة . وليكن لك جماعة من أرباب العلم والعقل والتجارب في الرأي والمشورة ، ووزراء خير لا فسقة ، فمن ليس بأمين لنفسه فكيف على سواه ؟ ثم تنهض من مجلسك في الظهر ، وليكن للملك عين في الديوان لما يجري فإذا دخل منزله بسط الطعام ومد الخوان للجند والإخوان . وليكن كثير التعهد والتفقد وجبر القلوب المنكسرة . وليكن على الطبيخ أمين ما أساء إليه ، فإن القلع ثمر الإساءة ، ثم يأخذ طعم الطبيخ طابخه ، ثم حامله ، ثم واضعه عند الملك ، يغمس اللقمة في جميعه ، فقد مات شهريار بن ذار بنصف تفاحة قطعت ، وقد مات شاسان بنصف قدح شراب سلم شريكه مع عطبه ، وقد سمّ النبي صلى اللّه عليه وسلم بذراع مشويّ للسر في محبته له لقرب المشرع من المسعى ، وقد سمّ أبو لؤلؤة السكّينة التي قتل بها ابن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه ، وسمّ عبد الرحمن بن ملجم سيفا ضرب به قمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ، وسمّت حصار بنت خوجة بنت كعب الغساني زوجها الحسن بن علي رضي اللّه عنهما ، وكان الأصل أنه شاء يوما حبّ عنب غير مغسول .
وكم مثل ذا في الدهر ما ليس يحصر وتحترز من السموم في طعامك وشرابك ولباسك ومنامك حتى منديل فراشك ، وليكن خارج العالم مجردا مسودا مداخلا في معرفة غوامض أحوالهم بالترسل والتجسس وكشف علوم من البلاد بجواسيس شارحة متنكرة مختلفة مثل فقير وصوفيّ وتاجر وطبيب وكتبة ، وقد كان المأمون له أصحاب خير يستجلبون له أخبارا من الطريقة . هكذا سنن الملوك .
فصل وهو المقالة الثالثة
ويستحب للملك سهر أول الليل إلى نصفه لقضاء المهمات والقصص المستورات ، ونوم النهار عون على سهر الليل يذهب تعب السهر ، والحمام من غير إطالة محبوب ، والتعهد بالأشربة الموافقة للأمزجة .
وليحترز من تزوير العلائم ويمتحن ويستدرك ، فالخطوط تشتبه ، فأول داهية عثمان بن عفان رضي اللّه عنه كانت من توقيع محمد بن أبي بكر رضي اللّه عنهما وهي مذكورة في سير الناس يتداول بها القصاص .
ولا يفضل السراري والنساء ، فقد يحصل من مراجيح الغيرة ما لا طاقة به ، فكم محمول على الغيرة ثمرتها أعظم من ثمرة الحسد . ويجب على الملك أن يكون وحيدا لا أحد له من حيث السياسة ، ولا يركن إلى الأمن من خوف الذم ، فبرهان الشعر ظاهر من قوله :
فلم تزل قلّة الإنصاف قاطعة * بين الأنام ولو كانوا ذوي رحم
ويجب عليه التعهد لأصحاب أبيه ولو كان فقيرا ، ومراعاة أصحابه الذين كانوا معه قبل سلاسل التمليك ، فمن لطافة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه كانت تتردد إليه امرأة يهودية فنهض لها قائما فقالت له في ذلك عائشة رضي اللّه عنها : أتقوم لامرأة يهودية قائما ؟ قال : " هذه كانت تتردّد