تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
لفرّاش له ، وقال : اذهب إلى مدينة أصفهان إلى شارع السلطان ففي صدر الدرب بيت فيه شيخ وعجوز ، ادخل إليهما فسلم عليهما وقل لهما ابنكما يقول لكما كيف أنتما من وحشة فراقه ! فلما وصل إليهما فأخبرهما قال : خذ ما جئت به لك ، قال الغلام : أنتما فقيران وبكما حاجة إليه ، فقال الشيخ : غنى النفس باق ، ثم تنفس وتمثل بهذه الأبيات :
علي ثياب لو يقاس جميعها * بفلس لكان الفلس منهن أكثرا
وفيهن نفس لو تقاس ببعضها * نفوس الورى كانت أجلّ وأكبرا
وما ضرّ نصل السيف إخلاق عهده * إذا كان عضبا حيث وجّهته فرى
ويستحب أن يكون مغنّي الملك مغنيّا نديّ الصوت شجيا ، لا خارجا ولحانا ، عالما بالأصوات ثقيلها وخفيفها وهزجها ورملها وصوفيها ، وأصواتها الثقال مثل قول أبي الشيص :
أجد الملامة في هواك لذيذة * حبّا لذكرك فليلمني اللوم
ومثل قول أبي نواس في الوزن :
شرك النّفوس وعصمة ما مثلها * للمطمئنّ وعقلة المستوفز
إن طال لم يهلك وإن هي أوجزت * ودّ المحدث أنّها لم توجز
وفي المستهل والعمل شعر عاشق بني عامر مجنون ليلى :
خليليّ قوما في عطالة فانظرا * أنار . . . . . . .
فإن تك نارا فهي في جنب ملتقّى * من الرّيح يذروها ويصفقها صفقا
لأمّ عديّ أوقدتها طمّاعة * لأوبة سفر أن يكون لها وفقا
وحطّ بها رحلي قليلا فإنّها * لأول أطلال عرفت به العشقا
وليكن المغني عالما بطريق الأغاني ، مطلعا على كتاب الموسيقى الموضوع للرئيس أبي علي بن سينا ، وقد شرحناه في : " كتاب السبيل لأبناء السبيل " وسأذكر لك نكتة منه فأقول كما قيل : إن لدوران الفلك أصواتا لو سمعها عاقل أو لبيب لما ثبت ، ومنها أخذ موسى ترجيع النغمات من المربع والمسدس والمثمن ، والنصارى عملوا ببعضه ، فالألحان للروم ، والتجنيس للعراق ، والزقالق للعجم ، والطبول للزنج أو الحبشة ، والبوق لليهود ، وهو سبعون دستا مثل دستان الرحيل يقول في وزنه : اركب فأنت المظفر . اركب فالله أكبر . ودستان الحرب والنزول وغيره . وقال سقراط : اشتباك نغمات الأصوات من هياكل العبادات تحل وتعقد في الأفلاك الدائرة ، مثل همة إصابة العين والسحر والاستسقاء وسنذكرها في مواضعها . وكن مع الملك كما قال بعض الحكماء :
إذا خدمت الملك فالبس * من التوقّي أشدّ ملبس
وادخل إذا ما دخلت أعمى * واخرج إذا ما خرجت أخرس
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 458 | الغزالي