تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
أيها الولد : إني أنصحك بثمانية أشياء اقبلها مني لئلا يكون علمك خصما عليك يوم القيامة ، تعمل منها أربعة ، وتدع منها أربعة أما اللواتي تدع : أحدها : أن لا تناظر أحدا في مسألة ما استطعت لأن فيها آيات كثيرة فإثمها أكبر من نفعها ، إذ هي منبع كل خلق ذميم كالرياء والحسد والكبر والحقد والعداوة والمباهاة وغيرها ، نعم لو وقع مسألة بينك وبين شخص أو قوم وكانت إرادتك فيها أن تظهر الحق ولا يضيع جاز البحث لكن لتلك الإرادة علامتان : إحداهما : أن لا تفرق بين أن ينكشف الحق على لسانك أو على لسان غيرك ، والثانية : أن يكون البحث في الخلاء أحب إليك من أن يكون في الملأ ، واسمع إني أذكر لك هاهنا فائدة . واعلم أن السؤال عن المشكلات عرض مرض القلب إلى الطبيب والجواب له سعي لإصلاح مرضه . واعلم : أن الجاهلين المرضى قلوبهم والعلماء الأطباء والعالم الناقص لا يحسن المعالجة والعالم الكامل لا يعالج كل مريض بل يعالج من يرجو فيه قبول المعالجة والصلاح . وإذا كانت العلّة مزمنة أو عقيما لا تقبل العلاج فحذاقة الطبيب فيه أن يقول هذا لا يقبل العلاج فلا تشتغل فيه بمداواته لأن فيه تضييع العمر ، ثم اعلم ، أن مرض الجهل على أربعة أنواع : أحدها : يقبل العلاج والباقي لا يقبل أما الذي لا يقبل " أحدها " من كان سؤاله واعتراضه عن حسده وبغضه فكلما تجيبه بأحسن الجواب وأفصحه وأوضحه فلا يزيد له ذلك إلا بغضا وعداوة وحسدا ، فالطريق أن لا تشغل بجوابه فقد قيل :
كلّ العداوة قد ترجى إزالتها * إلّا عداوة من عاداك عن حسد
فينبغي أن تعرض عنه وتتركه مع مرضه ، قال اللّه تعالى :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا
[ النجم : 29 ] . والحسود بكل ما يقول ويفعل أوقد النار في زرع علمه ، الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب . والثاني : أن تكون علته من الحماقة وهو أيضا لا يقبل العلاج ، كما قال عيسى عليه السلام : إني ما عجزت عن إحياء الموتى وقد عجزت عن معالجة الأحمق ، وذلك رجل يشتغل بطلب العلم زمنا قليلا ويتعلم شيئا من العلم العقلي والشرعي فيسأل ويعترض من حماقته على العالم الكبير الذي مضى عمره في العلوم العقلية والشرعية ، وهذا الأحمق لم يعلم ويظن أن ما أشكل عليه هو أيضا مشكل للعالم الكبير ، فإذا لم يعلم هذا القدر يكون سؤاله من الحماقة ، فينبغي أن لا يشتغل بجوابه . والثالث : أن يكون مسترشدا وكل ما لا يفهم من كلام الأكابر يحمل على قصور فهمه وكان سؤاله للاستفادة لكن يكون بليدا لا يدرك الحقائق فلا ينبغي الاشتغال بجوابه أيضا ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم النّاس على قدر عقولهم " . وأما المرض الذي يقبل العلاج فهو أن يكون مسترشدا عاقلا فهما لا يكون مغلوب الحسد والغضب وحبّ