والثالث : مما تدع أنه لا تخالط الأمراء والسلاطين ، ولا تراهم لأن رؤيتهم ومجالسهم ومخالطتهم آفة عظيمة ، ولو ابتليت بها دع عنك مدحهم وثناءهم لأن اللّه تعالى يغضب إذا مدح الفاسق والظالم ، ومن دعا بطول بقائهم فقد أحبّ أن يعصى اللّه في أرضه .
والرابع : مما تدع أن لا تقبل شيئا من عطاء الأمراء وهداياهم وإن علمت أنها من الحلال لأن الطمع منهم يفسد الدين لأنه يتولد منه المداهنة ومراعاة جانبهم والموافقة في ظلمهم ، وهذا كله فساد في الدين وأقلّ مضرته أنك إذا قبلت عطاياهم وانتفعت من دنياهم أحببته ومن أحب أحدا يحب طول عمره وبقائه بالضرورة ، وفي محبة بقاء الظالم إرادة في الظالم على عباد اللّه تعالى وإرادة خراب العالم ، فأي شيء يكون أضر من هذا الدين والعاقبة ، وإياك وإياك أن يخدعك استهواء الشياطين أو قال بعض الناس لك بأن الأفضل والأولى أن تأخذ الدينار والدرهم منهم وتفرقها بين الفقراء والمساكين ، فإنهم ينفقون في الفسق والمعصية ، وإنفاقك على ضعفاء الناس خير من إنفاقهم ، فإن اللعين قد قطع أعناق كثيرة من الناس بهذه الوسوسة . وقد ذكرناه في إحياء العلوم فاطلبه ثمة .
وأما الأربعة التي ينبغي لك أن تفعلها :
الأول : أن تجعل معاملتك مع اللّه تعالى بحيث لو عامل معك بها عبدك ترضى بها منه ولا يضيق خاطرك عليه ولا تغضب ، والذي لا ترضى لنفسك من عبدك المجازي فلا ترضى أيضا للّه تعالى وهو سيّدك الحقيقي .
والثاني : كلما عملت بالناس اجعله كما ترضى لنفسك منهم لأنه لا يكمل إيمان عبد حتى يحب لسائر الناس ما يحبّ لنفسه .
والثالث : إذا قرأت العلم أو طالعته ينبغي أن يكون علمك يصلح قلبك ويزكّي نفسك ، كما لو علمت أن عمرك ما يبقى غير أسبوع ، فبالضرورة لا تشتغل فيها بعلم الفقه والأخلاق والأصول والكلام وأمثالها لأنك تعلم أن هذه العلوم لا تغنيك ، بل تشتغل بمراقبة القلب ومعرفة صفات النفس ، والإعراض عن علائق الدنيا ، وتزكّي نفسك عن الأخلاق الذميمة وتشتغل بمحبة اللّه تعالى وعبادته ، والاتّصاف بالأوصاف الحسنة . ولا يمر على عبد يوم وليلة إلا ويمكن أن يكون موته فيه .
أيها الولد : اسمع مني كلاما آخر وتفكر فيه حتى تجد خلاصا لو أنك أخبرت أن السلطان بعد أسبوع يختارك وزيرا . اعلم أنك في تلك المدة لا تشتغل إلا بإصلاح ما علمت أن نظر السلطان سيقع عليه من الثياب والبدن والدار والفراش وغيرها ، والآن تفكر إلى ما أشرت به فإنك فهم والكلام الفرد يكفي ، أليس قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " إنّ اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم ونيّاتكم " . وإن أردت علم أحوال القلب فانظر إلى الإحياء وغيره من مصنفاتي . وهذا العلم فرض عين وغيره فرض كفاية إلا مقدار ما يؤدي به فرائض اللّه تعالى وهو يوفّقك حتى تحصله .
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 266
مساهمون: الغزالي
ص٢٦٦