تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
أيها الولد : بعض مسائلك من هذا القبيل ، وأما البعض الذي يستقيم له الجواب فقد ذكرناه في إحياء العلوم وغيره . وتذكر هاهنا نبدأ منه ونشير إليه فنقول : قد وجب على السالك أربعة أمور : الأمر الأوّل : اعتقاد صحيح لا يكون فيه بدعة . والثاني : توبة نصوح لا يرجع بعدها إلى الزلّة . والثالث : استرضاء الخصوم حتى لا يبقى لأحد عليك حقّ . والرابع : تحصيل علم الشريعة قدر ما تؤدي به أوامر اللّه تعالى . ثم من العلوم الآخرة ما يكون به النجاة . حكي أن الشبلي رحمه اللّه خدم أربعمائة أستاذ ، وقال : قرأت أربعة آلاف حديث ، ثم اخترت منها حديثا واحدا وعملت به وخليت ما سواه لأني تأملته فوجدت خلاصي ونجاتي فيه . وكان علم الأولين والآخرين كله مندرجا فيه فاكتفيت به ، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لبعض أصحابه : " اعمل لدنياك بقدر مقامك فيها ، واعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها ، واعمل للّه بقدر حاجتك إليه ، واعمل للنار بقدر صبرك عليها " . أيها الولد : إذا علمت هذا الحديث لا حاجة إلى العلم الكثير ، وتأمّل في حكاية أخرى : وذلك أن حاتما الأصمّ كان من أصحاب الشقيق البلخي رحمة اللّه تعالى عليهما ، فسأله يوما قال : صاحبتني منذ ثلاثين سنة ما حصلت فيها ؟ قال : حصلت ثماني فوائد من العلم وهي تكفيني منه لأني أرجو خلاصي ونجاتي فيها ، فقال شقيق : ما هي ! قال حاتم الأصمّ : الفائدة الأولى : إني نظرت إلى الخلق فرأيت لكل منهم محبوبا ومعشوقا يحبه ويعشقه وبعض ذلك المحبوب يصاحبه إلى مرض الموت وبعضه إلى شفير القبر ، ثم يرجع كله ويتركه فريدا وحيدا ولا يدخل معه في قبره منهم أحد ، فتفكرت وقلت : أفضل محبوب المرء ما يدخل معه في قبره ويؤانسه فيه فما وجدت غير الأعمال الصالحة فأخذتها محبوبا لي لتكون سراجا لي في قبري ، وتؤانسني فيه ولا تتركني فريدا . الفائدة الثانية : إني رأيت الخلق يقتدون بأهوائهم ويبادرون إلى مرادات أنفسهم فتأمّلت قوله تعالى :
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
[ النازعات : 40 و 41 ] . وتيقنت أن القرآن حق صادق فبادرت إلى خلاف نفسي وتشمرت بمجاهدتها وما متعتها بهواها حتى رضيت بطاعة اللّه سبحانه وتعالى وانقادت . الفائدة الثالثة : إني رأيت كل واحد من الناس يسعى في جمع حطام الدنيا ثم يمسكها قابضا يده عليه ، فتأمّلت في قوله تعالى :
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
[ النحل : 96 ] . فبذلت محصولي من الدنيا لوجه اللّه تعالى ، ففرّقته بين المساكين ليكون ذخرا لي عند اللّه تعالى . الفائدة الرابعة : إني رأيت بعض الخلق ظن شرفه وعزه في كثرة الأقوام والعشائر فاغترّ بهم ، وزعم آخر أنه في ثروة الأموال وكثرة الأولاد فافتخروا بها ، وحسب بعضهم الشرف
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 261 | الغزالي