تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
والعزّ في غصب أموال الناس وظلمهم وسفك دمائهم ، واعتقدت طائفة أنه في إتلاف المال وإسرافه وتبذيره ، وتأمّلت في قوله تعالى :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
[ الحجرات : 13 ] . فاخترت التقوى واعتقدت أن القرآن حقّ صادق وظنهم وحسبانهم كلها باطل زائل . الفائدة الخامسة : إني رأيت الناس يذمّ بعضهم بعضا ويغتاب بعضهم بعضا ، فوجدت ذلك من الحسد في المال والجاه والعلم ، فتأمّلت في قوله تعالى :
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
[ الزخرف : 32 ] . فعلمت أن القسمة كانت من اللّه تعالى في الأزل فما حسدت أحدا ورضيت بقسمة اللّه تعالى . الفائدة السادسة : إني رأيت الناس يعادي بعضهم بعضا لغرض وسبب فتأمّلت قوله تعالى :
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
[ فاطر : 6 ] . فعلمت أنه لا يجوز عداوة آخر غير الشيطان . والفائدة السابعة : إني رأيت كل أحد يسعى بجد ويجتهد بمبالغة لطلب القوت والمعاش بحيث يقع به في شبهة وحرام ، ويذل نفسه ، وينقص قدره ، فتأمّلت في قوله تعالى
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
[ هود : 6 ] . فعلمت أن رزقي على اللّه تعالى ، وقد ضمنه فاشتغلت بعبادته وقطعت طمعي عمن سواه . الفائدة الثامنة : إني رأيت كل واحد معتمدا على شيء مخلوق بعضهم إلى الدينار والدرهم ، وبعضهم إلى المال والملك ، وبعضهم إلى الحرفة والصناعة ، وبعضهم إلى مخلوق مثله ، فتأمّلت في قوله تعالى :
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً
[ الطلاق : 3 ] . فتوكّلت على اللّه تعالى فهو حسبي ونعم الوكيل ، فقال شقيق : وفقك اللّه تعالى إني قد نظرت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، فوجدت الكتب الأربعة تدور على هذه الفوائد الثمانية ، فمن عمل بها كان عاملا بهذه الكتب الأربعة . أيها الولد : قد علمت من هاتين الحكايتين أنك لا تحتاج إلى تكثير العلم ، والآن أبيّن ما يجب على سالك سبيل الحق . فاعلم أنه ينبغي للسالك شيخ مرشد مربي ليخرج الأخلاق السيّئة منه بتربيته ويجعل مكانها خلقا حسنا . ومعنى التربية يشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع ليحسن نباته ويكمل ريعه ، ولا بدّ للسالك من شيخ يؤديه ويرشده إلى سبيل اللّه تعالى ، لأن اللّه أرسل للعباد رسولا للإرشاد إلى سبيله ، فإذا ارتحل صلى اللّه عليه وسلم فقد خلف الخلفاء في مكانه حتى يرشدوا إلى اللّه تعالى ، وشرط الشيخ الذي يصلح أن يكون نائبا لرسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه وأن يكون عالما ، ولكن لا كل عالم يصلح للخلافة ، وإني أبيّن لك بعض علامته على سبيل الإجمال حتى لا يدّعي كل أحد أنه مرشد . فنقول : من يعرض عن حبّ الدنيا وحبّ الجاه ، وكان قد تابع لشخص بصير يتسلسل متابعته إلى سيّد