تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
ومدبرا ، ومن آخره خزانة وخازنا ، ومن جميع الأجزاء رجالا وركبانا ، ومن الروح الحيواني خادما ، ومن الطبيعي وكيلا ، ومن البدن مركبا ، ومن الدنيا ميدانا ، ومن الحياة بضاعة ومالا ، ومن الحركة تجارة ، ومن العلم ربحا ، ومن الآخرة مقصدا ومرجعا ، ومن الشرع طريقة ومنهجا ، ومن النفس الأمّارة حارسا ونقيبا ، ومن اللوامة منبها ، ومن الحواسّ جواسيس وأعوانا ، ومن الدين درعا ، ومن العقل أستاذا ، ومن الحس تلميذا ، والربّ سبحانه من وراء هذه كلها بالمرصاد ، والنفس بهذه الصفة مع هذه الآلة ما أقبلت على هذا الشخص الكثيف وما اتّصلت بذاته بل تنيله الإفادة ، ووجهها إلى بارئها وأمر بارئها بالاستفادة إلى أجل مسمى ، فالروح لا يشتغل في مدة هذا السفر إلا بطلب العلم لأن العلم يكون حليته في دار الآخرة " لأن حلية المال والبنين زينة حياة الدنيا ، فكما أن العين مشغولة برؤية المنظورات ، والسمع مواظب على استماع الأصوات ، واللسان مستعد لتركيب الأقوال ، والروح الحيواني مريد اللذات الغضبية ، والروح الطبيعي محب للذائذ الأكل والشرب ، كذلك الروح المطمئنة . أعني القلب . لا يريد إلا العلم ولا يرضى إلا به ويتعلم طول عمره . ويتحلّى بالعلم جميع أيامه إلى وقت مفاقته ، ولو قبل أمرا آخر دون العلم فإنما يقبل عليه لمصلحة البدن لا لمراد ذاته ومحبة أصله . فإذا علمت أحوال الروح ودوام بقائه وعشقه للعلم وشغفه به ، فيجب عليك أن تعلم أصناف العلم فإنها كثيرة ونحن نحصيها بالاختصار .

فصل في أصناف العلم وأقسامه

اعلم أن العلم على قسمين : أحدهما شرعي ، والآخر عقلي . وأكثر العلوم الشرعية عقلية عند عالمها . وأكثر العلوم العقلية شرعية عند عارفها
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
[ النور : 40 ] . أما القسم الأول : وهو العلم الشرعي ، فينقسم إلى نوعين : أحدهما : في الأصول وهو علم التوحيد . وهذا العلم ينظر في ذات اللّه تعالى وصفاته القديمة ، وصفاته الفعلية ، وصفاته الذاتية المتعدّدة بالأسامي على الوجه المذكور . وينظر أيضا في أحوال الأنبياء والأئمة من بعدهم والصحابة . وينظر في أحوال الموت والحياة وفي أحوال القيامة والبعث والحشر والحساب ، ورؤية اللّه تعالى وأهل النظر في هذا العلم يتمسكون أولا بآيات اللّه تعالى من القرآن ، ثم بأخبار الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ثم بالدلائل العقلية والبراهين القياسية ، وأخذوا مقدمات القياس الجدلي والعادي ولواحقهما من أصحاب المنطق الفلسفي ، ووضعوا أكثر الألفاظ في غير مواضعها ، ويعبرون في عباراتهم بالجوهر والعرض والدليل والنظر والاستدلال والحجّة ، ويختلف معنى كل لفظ من هذه الألفاظ عند كل قوم حتى أن الحكماء يعنون بالجوهر شيئا ، والصوفية يعنون شيئا آخر ، والمتكلمون شيئا ، وعلى هذا المثال ، وليس المراد في هذه الرسالة تحقيق معاني الألفاظ على حسب آراء القوم ، فلا نسرع فيها . وهؤلاء القوم مخصوصون بالكلام في الأصول وعلم التوحيد ولقبهم المتكلمون ، فإن اسم الكلام اشتهر على علم التوحيد . ومن علم الأصول
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 227 | الغزالي