تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
النظر في الصانع وذاته وجميع صفاته وأفعاله وأمره وحكمه وقضائه وترتب ظهور الموجودات عنه ، ثم النظر في العلويات والجواهر المفردة والعقول المفارقة والنفوس الكاملة ، ثم النظر في أحوال الملائكة والشياطين ، وينتهي إلى علم النبوات وأمر المعجزات وأحوال الكرامات ، والنظر في أحوال النفوس المقدسة وحال النوم واليقظة ومقامات الرؤيا ، ومن فروعه علم الطلسمات والنيرنجات وما يتعلّق بها ، ولهذه العلوم تفاصيل وأعراض ومراتب ، تحتاج إلى شرح جلي ببرهان بهي ولكن الاقتصار أولى .

فصل في علم الصوفية

اعلم أن العلم العقلي مفرد بذاته ويتولّد منه علم مركب يوجد فيه جميع أحوال العلمين المفردين ، وذلك العلم المركب علم الصوفية ، وطريقة أحوالهم ، فإن لهم علما خاصا بطريقة واضحة مجموعة من العلمين وعلمهم يشتمل على الحال ، والوقت والسماع ، والوجد والشوق ، والسكر والصحو ، والإثبات ، والمحو ، والفقر ، والفناء ، والولاية ، والإرادة ، والشيخ ، والمريد ، وما يتعلق بأحوالهم مع الزوائد والأوصاف والمقامات . ونحن نتكلم في هذه العلوم الثلاثة في كتاب خاص إن شاء اللّه تعالى ، والآن ليس قصدنا إلا تعديد العلوم وأصنافها في هذه الرسالة ، وقد اختصرناها وعددناها على طريق الاختصار والإيجاز ، ومن أراد الزيادة وشرح هذه العلوم فليرجع إلى مطالعة الكتب ، ولما انتهى الكلام في بيان تعديد أصناف العلوم ، فاعلم أنت يقينا أن كل فن من هذه الفنون ، وكل علم من هذه العلوم ، يستدعي عدة شرائط لينتقش في نفوس الطالبين ، فبعد تعديد العلوم يجب عليك أن تعرف طرق التحصيل فإن لتحصيل العلم طرقا معينة نحن نفصلها ( إن شاء اللّه ) .

فصل في بيان التحصيل للعلوم

اعلم أن العلم الإنساني يحصل من طريقين ، أحدهما : التعليم الإنساني ، والثاني : التعليم الرباني . أما الطريق الأول : فطريق معهود ، ومسلك محسوس ، يقرّ به جميع العقلاء ، وأما التعليم الرباني فيكون على وجهين ، أحدهما : من خارج وهو التحصيل بالتعلم ، والآخر : من داخل وهو الاشتغال بالتفكر ، والتفكر من الباطن بمنزلة التعلم في الظاهر ، فإن التعلم استفادة الشخص من الشخص الجزئي ، والتفكر استفادة النفس من النفس الكلي ، والنفس الكلي أشد تأثيرا وأقوى تعليما من جميع العلماء والعقلاء ، والعلوم مركوزة في أصل النفوس بالقوة كالبذر في الأرض ، والجوهر في قعر البحر ، أو في قلب المعدن ، والتعلم هو طلب خروج ذلك الشيء من القوة إلى الفعل . والتعليم هو إخراجه من القوة إلى الفعل ، فنفس المتعلم تتشبه بنفس المعلم وتتقرب إليه بالنسبة ، فالعالم بالإفادة كالزارع والمتعلم بالاستفادة كالأرض . والعلم الذي هو بالقوة كالبذر ، والذي بالفعل كالنبات فإذا كملت نفس المتعلم تكون كالشجرة