تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤

فصل في شرف العلم

اعلم أن العلم تصور النفس الناطقة المطمئنة حقائق الأشياء وصورها المجردة عن المواد بأعيانها وكيفياتها وكمياتها وجواهرها وذواتها إن كانت مفردة ، والعالم هو المحيط المدرك المتصور ، والمعلوم هو ذات الشيء الذي ينتقش علمه في النفس ، وشرف العلم على قدر شرف معلومه ، ورتبة العالم تكون بحسب رتبة العلم . ولا شك أن أفضل المعلومات وأعلاها وأشرفها وأجلّها هو اللّه الصانع المبدع الحقّ الواحد ، فعلمه هو علم التوحيد أفضل العلوم وأجلها وأكملها ، وهذا العلم ضروري واجب تحصيله على جميع العقلاء كما قال صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام : " طلب العلم فريضة على كل مسلم " . أمر بالسفر في طلب هذا العلم . فقال صلى اللّه عليه وسلم : " اطلبوا العلم ولو بالصّين " . وعالم هذا العلم أفضل العلماء وبهذا السبب خصهم اللّه تعالى بالذكر في أجلّ المراتب ، فقال :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ
[ آل عمران : 18 ] . فعلماء علم التوحيد الإطلاق هم الأنبياء وبعدهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، وهذا العلم وإن كان شريفا في ذاته كاملا في نفسه لا ينفي سائر العلوم بل لا يحصل إلا بمقدمات كثيرة ، وتلك المقدمات لا تنتظم إلا من علوم شتى مثل علم السماوات والأفلاك وعلم جميع المصنوعات ، ويتولد عن علم التوحيد علوم أخر كما سنذكر أقسامها في مواضعها . فاعلم أن العلم شريف بذاته من غير نظر إلى جهة المعلوم ، حتى أن علم السحر شريف بذاته وإن كان باطلا ، وذلك أن العلم ضد الجهل ، والجهل من لوازم الظلمة ، والظلمة من حيّز السكون ، والسكون قريب من العدم ، ويقع الباطل والضلالة في هذا القسم ، فإذا الجهل حكمه حكم العدم ، والعلم حكمه حكم الوجود ، والوجود خير من العدم ، والهداية والحق والنور كلها في سلك الوجود ، فإذا كان الوجود أعلى من العدم فالعلم أشرف من الجهل ، فإن الجهل مثل العمى والظلمة ، والعلم مثل البصر والنور ،
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ
[ فاطر : 19 و 20 ] . وصرح سبحانه بهذه الإشارات فقال :
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
[ الزمر : 9 ] . فإذا كان العلم خيرا من الجهل ، والجهل من لوازم الجسم ، والعلم من صفات النفس ، والنفس أشرف من الجسم ، وللعلم أقسام كثيرة نحصيها في فصل آخر . وللعالم في طلب العلم طرق عديدة نذكرها في فصل آخر . والآن لا يتعين عليك بعد معرفة فضل العلم إلا معرفة النفس التي هي لوح العلوم ومقرها ومحلها ، وذلك أن الجسم ليس بمحلّ للعلم لأن الأجسام متناهية ، ولا يتسع لكثرة العلوم بل لا يحتمل إلا النقوش والرقوم والنفس قابلة لجميع العلوم من غير ممانعة ولا مزاحمة وملال وزوال ، ونحن نتكلم في شرح النفس على سبيل الاختصار .

فصل في شرح النفس والروح الإنساني

اعلم أن اللّه تعالى خلق الإنسان من شيئين مختلفين : أحدهما : الجسم المظلم الكثيف الداخل تحت الكون والفساد المركب المؤلف الترابي الذي لا يتم أمره إلا بغيره ، والآخر : هو النفس الجوهري المفرد المنير المدرك الفاعل المحرك المتمم للآلات والأجسام ، واللّه تعالى ركب الجسد من أجزاء الغذاء ورباه
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 224 | الغزالي