تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
الخامس : أن يكون له مرشد ومرب ليدله على الطريق ويرفع عنه الأخلاق المذمومة ، ويضع مكانها الأخلاق المحمودة . ومعنى التربية أن يكون المربي كالمزارع الذي يربي الزرع ، فكلما رأى حجرا أو نباتا مضرا بالزرع قلعه وطرحه خارجا ويسقي الزرع مرارا إلى أن ينمو ويتربى ، ليكون أحسن من غيره ، وإذا علمت أن الزرع محتاج للمربي علمت أنه لا بدّ للسالك من مرشد مرب البتة ، لأن اللّه تعالى أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام للخلق ليكونوا دليلا لهم ويرشدهم إلى الطريق المستقيم . وقبل انتقال المصطفى عليه الصلاة والسّلام إلى الدار الآخرة قد جعل الخلفاء الراشدين نوّابا عنه ليدلوا الخلق إلى طريق اللّه ، وهكذا إلى يوم القيامة ، فالسالك لا يستغني عن المرشد البتة . وشرط المرشد أن يكون عالما ، لكن ليس كل عالم يصلح للإرشاد ، بل لا بدّ أن يكون عالما له أهلية صناعة الإرشاد ، ولهذا المرشد علامات ونحن نذكر لك ما لا بدّ له منهما بطريق الإجمال حتى لا يدعي الإرشاد كل متحير . فالمرشد هو الذي يكون قد خرج من باطنه حب المال والجاه وتأسس بنيان تربيته على يد مرشد كذلك ، وهلم حتى تنتهي السلسلة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وذاق بعض الرياضيات كقلة الأكل والكلام والنوم ، وكثرة الصلاة والصدقة والصوم ، واقتبس نورا من أنوار سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، واشتهر بالسيرة الحسنة والأخلاق المحمودة من صبر وشكر وتوكل ويقين وطمأنينة وسخاء وقناعة وأمانة وحلم وتواضع ومعرفة وصدق ووقار وحياء وسكون وتأن وأمثالها ، وتطهر من الأخلاق الذميمة كالكبر والبخل والحسد والحقد والحرص والأمل الطويل والطيش ونحوها ، وسلم من تعصب المتعصبين ، واستغنى عن علم المكلفين بالعلم المتلقى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فالاقتداء بمثل هذا المرشد هو عين الصواب والظفر بمثله نادر لا سيما في هذا الزمان ، فإنه كثر فيه من يدعي الإرشاد وهو في الحقيقة يدعو الناس إلى اللهو واللغو ، بل ادعى كثير من الملحدين الإرشاد بمخالفة الشريعة وبسبب غلبة هؤلاء المدعين اختفى المرشدون الحقيقيون في أركان الزوايا وبما ذكرناه علم بعض علامات المرشد الحقيقي ، حتى أنه من وجد متخلفا بها علم أنه من المرشدين ، ومن لم يكن متخلفا بها علم أنه من المدعين ، فإن تحصل أحد على مثل هذا المرشد وقبله المرشد وجب عليه احترامه ظاهرا وباطنا . فالاحترام الظاهري ألا يجادله ولا ينكر عليه ولا يقيم الحجة عليه في أي مسألة ذكرها . وإن تحقق خطأه ، وأن لا يظهر نفسه أمام المرشد بفرش السجادة إلا أن يكون إماما ، فإذا فرغ من الصلاة ترك السجادة تأدبا معه ، وأن لا ينتقل كثيرا في حضرته ، وأن يفعل كل ما أمره به قدر استطاعته ، وأن لا يسجد له ولا لغيره لأنه كفر ، وأن يبالغ في امتثال أمره ولو كان ظاهره في صورة المعصية . والاحترام الباطني أن كل ما سلمه له في الظاهر لا ينكره في الباطن وإلا كان منافقا ، فإن لم يقدر على ذلك ترك صحبته حتى يكون ما في باطنه موافقا لما في ظاهره لأنه لا فائدة في الصحبة مع الإنكار ، بل ربما تكون سببا في هلاكه .