تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
يا ولدي : ورد في وصايا لقمان أنه قال لابنه : « يا بني لا يكونن الديك أكيس منك ينادي بالأسحار وأنت نائم » . وما أجمل وأليق من قول القائل حيث قال :
لقد هتفت في جنح ليل حمامة * على فنن وهنا وإني لنائم
كذبت وبيت اللّه لو كنت عاشقا * لما سبقتني بالبكاء الحمائم
وأزعم أني هائم ذو صبابة * لربّي ولا أبكي وتبكي البهائم
يا ولدي : ( خلاصة النصيحة ) أن تعلم حقيقة الطاعة والعبادة ما هي ؟ العبادة هي متابعة الشارع صلى اللّه عليه وسلم في الأوامر والنواهي ، فإن فعلت فعلا ولست بمأمور به فليس بعبادة ، وإن كان ذلك الفعل في صورة العبادة بل قد يكون عصيانا وإن كان صوما وصلاة . ألا ترى أنه إذا صام شخص يوم العيدين وأيام التشريق يكون عاصيا ، وإن كان ما فعله في صورة العبادة لأنه لم يؤمن به ، وكذا من صلى في الأوقات المكروهة أو في المواضع المغصوبة يكون آثما . واعلم أنه إذا مزح شخص مع محرمه فإنه مأجور وإن كان ذلك في صورة لعب ، لأن هذا اللعب مأمور به ، وبذا صار معلوما أن العبادة الحقيقية هي امتثال الأمر لا مجرد الصلاة والصوم ، لأن الصلاة والصوم لا يكونان عبادة إلا إذا كان مأمورا بهما . يا ولدي : فليكن جميع أحوالك وأقوالك مأمورا به موافقا للشريعة ، لأن علم وعمل المخلوقات بغير فتوى المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ضلالة وسبب للبعد عن اللّه تعالى ، ولهذا نسخ المصطفى صلى اللّه عليه وسلم الأعمال السابقة فلا تحرك لسانك بكلمة تكون غير مأمور بها . وكن متيقنا أن طريق اللّه تعالى لا تقدر أن تصل إليه بغير ما لم تأمر به ولا تصل إليه أيضا بالشطحات والترهات الصوفيّة ترسما ، بل لا تصل إلى هذا الطريق إلا بقطع الهوى والشهوة وحظوظ النفس بسيف المجاهدات ولا بوثبات الشطحات والترهات ، فإن زعمت الوصول اغترارا منك بما تبديه من الكلام الرقيق وصفاء الأيام والأوقات وصلافة اللسان مع تعلق القلب بالشهوات والغفلة كان ذلك علامة على الشقاء والوبال ، وإذا لم تقهر الهوى والنفس بالمجاهدات وتصيرها تحت الشرع لم يكن القلب حيا بنور المعرفة . يا ولدي : سئلت أسئلة بعضها لا يكيف بالقول ولا بالكتابة لأنه ذوقي ، وكل ما كان ذوقيا لا يكيف بالقول ولا بالكتابة فلا تعلمه إلا إذا وصلت إليه ، وما مثلك في ذلك إلا كمثل من جهل الحلاوة أو المرارة مثلا وأراد أن يكفيه بمجرد القول والكتابة فلا يقدر البتة . يا ولدي : إن كتب عنين لأحد عرف لذة الجماع يسأله عن لذة الجماع كتب إليه في جوابه : إن هذا ذوقي لا تعرفه إلا إذا وصلت إليه وإلا فلا يكيف بالقول والكتابة . يا ولدي : بعض أسئلتك من هذا القبيل . وأما القدر الذي يكيف بالقول والكتابة فقد بينته في كتابنا « إحياء العلوم » وغيره من التصانيف فاطلبه هناك ، وأما هنا فما قلنا على طريقة