تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
الإشارة : وسألتني عما يجب على مريد طريق الحق جلّ وعلا . فاعلم : أن أول ما يجب عليه الاعتقاد السليم الخالي عن البدع . الثاني : التوبة النصوح بأن لا يرجع إلى الزلات . الثالث : إرضاء الخصماء حتى لا يبقى عليه حق المخلوق . الرابع : تحصيل علم الشريعة بقدر ما يعمل بأوامر اللّه ويقف عن نواهيه ولا يجب عليه من علم الشريعة سوى ذلك ، وأما غير علم الشريعة فيكفيه أن يتعلم القدر الذي به خلاصه ونجاته ، وهذا الكلام يكون معلوما لك بنقل حكاية وردت عن المشايخ وهي أن الشبلي رحمه اللّه قال : إني خدمت أربعمائة أستاذ ، وقرأت عليهم أربعة آلاف حديث ، واخترت منها حديثا واحدا وعملت به وتركت باقيها لأني تأملت في هذا الحديث الواحد فرأيت فيه خلاصي ونجاتي ، وأيضا رأيت أن علم الأولين والآخرين مندرج فيه وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم : « اعمل لدنياك بقدر مقامك فيها ، واعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها ، واعمل للّه بقدر حاجتك إليه ، واعمل للنّار بقدر صبرك عليها » . يا ولدي : من هذا الحديث علم لك أنك لا تحتاج للعلم الكثير وتحصيل كثرة العلم من فروض الكفاية لا من فروض الأعيان ، وتأمل في هذه الحكاية حتى تكون متيقنا . ورد أن حاتما الأصم كان من تلامذة شقيق البلخي رحمة اللّه عليهما ، فقال شقيق ذات يوم : يا حاتم كم سنة أنت في صحبتي ؟ قال : ثلاثا وثلاثين سنة . فقال : ما الذي حصلته من العلوم وكم فائدة أخذتها مني ؟ قال : تحصلت على ثمان فوائد قال شقيق :
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
[ البقرة : 156 ] . يا حاتم أنا صرفت عمري معك في تعليمك وأنت ما تحصلت مني على سوى هذه الفوائد ، فقال حاتم : يا أستاذي إن طلبت مني الصدق فما تحصلت على غير الذي قلته ولم أطلب تحصيل غيرها لأني تيقنت أني لا أتحصل على خلاصي ونجاتي في الدارين إلا بهذه الثمانية ، وإن ما سواها مستغنى عنه بها . قال شقيق : قل لي ما هذه الفوائد الثمانية ؟ فقال : الأولى : نظرت في المخلوقات ورأيت كل واحد منهم اختار محبوبا فالبعض يصحب المحب إلى مرض الموت والبعض إلى طرف القبر ، وبعد ذلك يودعونه ويرجعون ولا يدخلون معه القبر ، وتأملت لأجد محبوبا يكون لي رفيقا وأنيسا في القبر فما وجدت سوى العمل الصالح ، فلهذا اخترته وجعلته محبوبا ليكون رفيقا ومؤنسا في القبر . فقال شقيق : أحسنت يا حاتم . الثانية : نظرت في المخلوقات فرأيت الكل أسير النفس والهوى ، وتأملت قوله تعالى :
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
[ النازعات : 40 . 41 ] . فعلمت يقينا أن القرآن حق وخالفت النفس الأمارة بالسوء وشددت المنطقة في المجاهدات وما أعطيتها مآربها وآمالها حتى انقادت تحت طاعة الحق قال شقيق : بارك اللّه فيك . الثالثة : نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد يسعى ويتعب في تحصيل شيء من حطام الدنيا
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 171 | الغزالي